ما أبدع القرن الحادي و العشرين، حين تصبح هذه المدينة في يوم من أيامها القادمة، عاصمة للثقافة العربية.

أنها مدينة ما بنيت فيها قاعة للأوبرا.

لكنها صارت لمبدعيها قاعة الاجتماع الكبرى..

انها ليست مدينة أمطار

فيها الأمطار الغامرة قليلة، تهطل مرة او مرتين او عشرة مرات في كل عام،

انها ليست مكاناً لا تشاهد فيه سوقاً شديدة الإيجاز في عمليتي (البيع و الشراء على وفق العدالة التامة) و تعيد فيها عيداً (كبيراً) او (صغيراً).. كل ايام الأعياد تسر الصغار والكبار والحجاج والصائمين. أنها أعياد حقيقية، ليست جذبة سحرية، دينية، فحسب.

النجف مدينة من نوع شديد الخصوصية.. من إحدى خصوصياتها أن تربتها تدفن فيها ضمائر حية او ميتة، ربما هو مكان دفن السكان الموتى من كل أنحاء العالم، وأنها مدينة تتلألأ بمجهود عظيم يكشف عن علم هارموني غزير و عن براعة في تكييف (القانون) مع أحداث شبابية يعيش فيها مشغولون بمشاهد مستغرقة في قواعد القانون و المستقبل.

إنها عالم لا يشكو من انعزال عن غمار الحياة،

إنها مدينة تتنافس فيها الكفاءة المتنوعة.

إنها مدينة محرومة من متع الحياة البورجوازية،

تعذبها المسائل الميتافيزيقية الكبرى.

إنها مدينة ظفرت بمعارف الامام علي بن ابي طالب وبحقائقه، الكبرى والصغرى، إنها مدينة الوساطة مع الشعر والنثر، بينك وبين اللغة الشعرية العربية، الفصحى، القويمة.

إنها مدينة صغيرة انتعشت فيها الفلسفة حيث تناقش الميسرة، فيها، الميمنة.. لا ضرر فيه ولا اندفاع لاستيلاء واحد على الآخر.

إنها مدينة تضيق طريق الدخول إلى لابسي الخوذات وحاملي الدروع و التروس و القامات و السيوف. الجيش العراقي سُوَر لها كي يكون شبانها وجميع أهلها سادة من سادة الدنيا.

إنها مدينة بالغت في ذاتيتها القانونية حين انتزعت الباحثة القديرة (الست صبا مهدي شعلان) مبرهنة بشجاعة تامة أنها امرأة تقتحم ميادين الباحثين الرجال و تنتصر في عالمها الطبيعي، بحواسها الإبداعية كافة، خاصة حين قامت بتقليد عمل (دودة المعرفة) لنيل مهمة (الاختيار المحض) في كتابة (بحث حر) من أجل الوصول إلى (اعتقاد حر).

حققت (الاختيار) و (المظهر) وازالت (الوهم). برهنت ان قوانين القرن الحادي والعشرين يخلقها كل من يؤمن بانه قادر، من الرجال او النساء، على ان يخلق جزءاً مهما في عالم الانسان و الانسانية. كانت صبا السلامي، شابة أزلية قادرة على الغوص إلى أسفل البحار النجفية، العدمية، الغامضة لاستنباط الرائع من الكلمات، والمتدفق من رنينها كي تنفذ إلى مسامع السامعين، من أجل تحقيق سعادة المحسوبين ضمن خارطة الرعاية الاجتماعية.  

حصلت صبا السلامي على المعرفة الجديدة و على اليقين الجديد في أمر القوانين بعد مشقة الدراسة و البحث، بعد ان تحملت أعاصير من كل نوع ، منها (إعصار الإرادة العنيدة)  المشدودة  بالشكوك في أعماقها ، عما اذا كانت هذه الشهادة  و هذا الكتاب المعنون (الحماية القانونية لحق الضمان الاجتماعي)  قادراً على إنقاذ المواطن العراقي الفقير او القضاء على فقره او على حالة الفقر، كلها ، في بلد ينتج اكثر من ٥ مليون برميل نفط يومياً و في بلد فيه ٣٠ مليون نخلة منتجة وفيه و فيه دجلة و الفرات و فيه عشرات الأنواع الاخرى من الثروات المساعدة على الغنى و الثراء اذا ما استلمت مقاليد الدولة حكومات لائقة . عسى ولعل ان تقوم الآمال بإعانة الباحثة الطيبة (صبا السلامي) ويعينها في ضيعتها وضياعها عن (هدف) او (وطن). انها امرأة وجدت نفسها تترنح في دوار البطالة عن العمل وانها تتجه نحو عزلة حزينة عن مشكلات التطبيع و عن مشاكل التشريح الاجتماعي، في مدينة تتعذب بالبحث الدائم عن الحقيقة. من يتمعن في ما كتبته (صبا السلامي) بفصول كتابها، الثلاثة، يدرك حقيقة مؤكدة عن الجهود المبذولة، كثيراً، لمعرفة حقيقة الضمان الاجتماعي في العراق و بعض البلدان العربية، المقارنة،

وجدت الباحثة حقيقة مشتركة عن المساعدات الاجتماعية، المدفوعة إلى المواطنين في بعض البلدان العربية. مثلاً المساعدات الاجتماعية الواردة في الصفحة ١٥٥ من الكتاب -البحث، مأخوذة من قانون الضمان المصري و هي تعادل مصطلح اسم الاعانات النقدية للرواتب، التي تعطى إلى العائلات الفقيرة، بموجب قانون الحماية الاجتماعية. في الحقيقة ان جميع قوانين الرعاية الاجتماعية في العراق و البلدان العربية، لم تتضمن غير الحد الأدنى من الرعاية الاجتماعية، مما يعني ابقاء المواطن المشمول بالحماية، بحالة العوز و الفقر، طيلة حياته.

اما نصوص القوانين المخصصة لمساعدة (كل من الأفراد والأسر) المستفيدة على الانخراط في مجال المساعدة على إقامة مشروع إنتاجي او خدمي. هذه النصوص ليست صادقة في التطبيق الا بأقل من عشرة بالمائة في جوهرها. اما ما تقوله اجهزة الاعلام بتخصيص مليارات الجنيهات في مصر ومليارات الدنانير في العراق و مليارات الدولارات في دول اخرى. هذه لا تعني بتطبيق الدول غير الحد الأدنى من تقديم الخدمات الاجتماعية والنفسية والترفيهية والتعليمية. ربما ان الباحثة لم تتطرق إلى نسب التطبيق العراقي او المصري على الأقل او ربما ظلت مملوءة بالآمال في بحثها لكنها غير قادرة على الإشارة الصريحة إلى أن الخيال و الدوغماتية و الواقعية تعذب الباحثة و ربما تهدد أية شعلة ايجابية تعتقد انها تحيط بالبيروقراطية الوحشية، للقضاء عليها.   

صبا السلامي تلميذة نجيبة من الماضي و الحاضر النجفيين.. لديها الكثير من عوالم الحاضر و ما زالت حريصة على التحصيل و الاستظهار من أجل السيطرة على استشراف المستقبل. هي على نقيض حالة الجمود في القوانين، الطبيعية و الوضعية. انها حريصة على التعلم الكامل، الفصيح، البليغ وإخراج تعاليم إنسانية من صدور كتب القانون، المختلفة، من قانون حمورابي، حتى القانون الذي ابتدعت اسمه (قانون الحماية القانونية لحق الضمان الاجتماعي). عبرت عن إيمان شديد بالعلم بما فجرت فيه معاني وجدانها لتخليص شعب المدينة النجفية من مأساة نجفية - عراقية، لا يكاد يتعلم المواطن النجفي شيئاً في فنون العمل و الحياة العملية. استطاعت الباحثة ان تستكشف الطريق نحو (العمل القانوني) و ابتكار (الحماية القانونية لحق الضمان الاجتماعي). و قد ضمنت جميع الآراء المتعلقة بهذا الابتكار، بكتاب جميل خاص، صادر عن دار الشؤون الثقافية العامة - وزارة الثقافة و الاعلام العراقية.

لم تكن دراستها مجرد حذلقة علمية (للتبجح) و (الادعاء) انما (استحضار القدرة) على تطبيق القانون في اللحظات الانسانية، التي يشعر فيها كل من (يستحق الحماية) انه كبير جداً، بينما يشعر (معارض التطبيق) انه قزم صغير جداً.

ستظل دودة العلم تتحرك بيد (صبا السلامي) مسرعة في باطن التراب تحفر فيه، لا تهتم ان تدوسها المصائب و الصعوبات.

اول ما قدمته لنا الباحثة المقتدرة (صبا مهدي هادي السلامي) انها بدأت كتابها المشار اليه بملخص قالت فيه (كل انسان له حق العيش في مستوى لائق كريم، يكفي لضمان سد احتياجاته الاساسية من المأكل و المشرب و الملبس، فضلاً عن الخدمات الضرورية (كالصحة و التعليم و السكن و غيرها). ثم ذهبت مستأنفة الحديث عن كل فاصل من فواصل هذه المعلوماتية الضرورية.. كما قامت بتحميل كل مسؤول في الدولة بمسؤوليته، الإجمالية او الفردية، سواء كان شخصاً بمنصب (رئيس) او بمنصب (مدير) و غيرهما من المخاليق الإدارية، التي قامت الباحثة بتنبيهها، كي لا ينسى اي مغرور مهمة تطبيق جميع الامور الانسانية - المعيشية، بعزم و قدرة. 

ما أجمل ان تقوم الباحثة بالمواصلة و التواصل، في بحثها القائم على المعلوماتية البكالوريسية المتحدثة، بكتاب، عن آية الاعتراف لها بشهادة المعلوماتية الماسترية.

حيث انقسم البحث الأكاديمي بيديها إلى ٣ فصول تجاوزت ٣٥٠ صفحة من الحجم الكبير. ضمت الدراسة العلمية، المقارنة، جميعها، بين العراق و عدد من البلدان الاخرى.  كانت الباحثة (صبا السلامي)، متواضعة جداً، حين عملت من أجل ان يعرف جميع الناس المختصين، في داخل العراق و خارجه، كل شيء يستحق المعرفة حول تجربتها الأكاديمية - الانسانية الأصيلة، التي شدت على بدنها حزام العلم، مما أهلها ان تعلم الناس السذج و غير السذج، و البيروقراطيين، بعد ان صارت هي ملء التجربة.

في كتابها الصادر، محمولاً، بالبرهة التاريخية الحالية، التي لا بد منها لإحياء (تاريخ الحماية القانونية) و (تاريخ المجهود الصامت الصبور) الذي كان بتصرفها بمثابة العين الثاقبة لتعميم الفائدة على أوسع نطاق، اي لا يخص العراق فحسب، بل يمكن ان يشمل بلداناً عربية، عديدة، أخرى، من تلك البلدان المحروم المواطن فيها من (تطبيق قانون الحماية في حماية الضمان الاجتماعي) في حالة العمل المستمر او في ما بعد (التقاعد عن العمل).

لا شك أن العملية التاريخية و أسلوبها في الحماية القانونية لحق الضمان الاجتماع يختلف من بلد إلى بلد اخر ومن نظام تسلسلي - اجتماعي إلى اخر بقدر ما يضمه او يفرزه نظام الحكم القائم في هذا البلد او غيره. كانت الباحثة صبا السلامي قد وضعت عقدة التضامن الاجتماعي العراقي و ما قدمته في فصول بحثها الثلاثة مما جعل كتابها دراسة للمقارنة، حقاً، يمكن ان تكون أساسياته ليس للمقارنة، وحدها، بل يمكن ان تكون تطبيقاً مفيداً و عملياً في بلدان أخرى، غير العراق.

يمكن لاي واحد ان يتمعن النظر في كتابها ذي الغلاف الاخضر كي يجد المزيد من النموذجية المثالية كانت تدفع الباحثة إلى تطوير العلاقة بين فصول الكتاب - البحث، الثلاثة، حيث انتقلت من النقيض إلى النقيض كما انتقلت أبحاثها بكل فصل إلى علاقة حميمة بين أبحاثها مما دفعها إلى تأسيس بحثها على صمت علمي اظنه سيقدم إلى ملايين المواطنين العرب، خدمة جلى و يستفيد منه كل مفكر قانوني و كل. ذي شعور انساني و قد دعت الكاتبة إلى الصعود إلى الحدائق القانونية و

 النزول منها مقاربات تجريبية - تدريبية، كي تحمل الأثير لتخترقه على أسنة الرماح العالية.

كانت ناصعة و نشيطة.

أظن ظناً قوياً أن مثالية البحث القانوني للباحثة المتمكنة (صبا) ستساعد العاملين الإنسانيين بمجالات مختلفة و سيكون جهدها عملاً اضافياً إلى الأمام و ليس إلى الخلف. ربما يتدافع قانونيون دوليون لرؤية اي برق يبرق من هذا (الكتاب - البحث) امام عيونهم. هنا أدعو إلى ترجمة الكتاب إلى اللغة الانكليزية لكي نشاهد رايات جديدة من مضامين الكتاب - البحث، تلمع بلون احمر، مشتاقة إلى هواء منعش.

معذرة، مولاتي المؤلفة، انا أحشد كل قوتي مع هذا الكتاب.

انك كسبت المعركة، و انا اريد ان اكسبها، ايضا، انه يوم السرور و الحبور حين تكون نتيجة المعركة واقفة بإيجابية إلى جانبي، مستمتعة في الصفاء الكلي. انا، هنا، اول الناس ادعو إلى اعتبار الكتاب وثيقة مجد و اعتباره، علاجاً، مباشراً لكل مرض من امراض المرحلة الاجتماعية، المعاصرة حيث العلاج ما زال محدوداً، في عالمنا العربي، كله.

ــــــــــــــــــــــــ

بصرة لاهاي في ٢حزيران

عرض مقالات: