بعد 15 عاماً من تركه لمنصبه كرئيس لمجلس الوزراء، قامت ملكة بريطانيا بتكريم توني بلير- رئيس الوزراء الأسبق بوسام الفروسية ضمن قائمة الشرف التي اصدرتها في عيد راس السنة للعام الجديد 2022، تقديرا لنشاطه خلال عمله كرئيس للوزراء للفترة 1997- 2007، وهذا الوسام هو أرفع وأقدم وسام بريطاني يمنح لمستحقه لقاء خدمات مميزة قدمها للمملكة أو للعالم. وينال صاحبه أيضاً لقب (سير) رسمياً.

يبدو ان ثمة من ورط الملكة العجوز بالإقدام على هذا القرار، وإن قيل أنه “قرار شخصي” من قبل الملكة، ولم تشرك رئيس الوزراء الحالي بوريس جونسون في اتخاذه.

نعم، ورطة للملكة بهذا القرار الخاطئ، لأن بلير الوحيد من رؤوساء الوزراء البريطانيين  قد إستحق إهمال تكريمه عقب أنتهاء خدمته، والدليل ان لا أحد إنتقد عدم تكريمه طيلة عقد ونصف عقد من الزمن، لا بل  أُعتبر الكثيرون عدم تكريمه موقفا صريحا يعكس عدم الرضا على أدائه الحكومي، وأعتبرها اَخرون بمثابة نوع من العقوبة  له، خاصة عقب صدور تقرير الجنة البريطانية للتحقيق في الحرب على العراق الذي ادان بصورة واضحة، وأخرى غير مباشرة، سياساته ومواقفه التي ورطت المملكة المتحدة بصراعات دولية، مثل الحرب على أفغانستان عام 2001 وغزو العراق وإحتلاله في عام 2003، وغيرها، فأساءت لسمعة بريطانيا وهدمت جسور الثقة مها، وراح ضحيتها اَلاف الأبرياء من مدنيين وعسكريين، وكان يُفترض ان يُعامل كمجرم حرب  ويقدم مع شريكه الرئيس الأمريكي  الأسبق جورج بوش الأبن  إلى محكمة الجنايات الدولية لينالا القصاص العادل.

والجدير بالذكر أنه لم يتأخر تكريم ولا رئيس وزراء بريطاني واحد قبل بلير. ولم ينتقد أحد عدم تكريم بلير، ولم يجرأ أحد حتى من قادة حزبه المطالبة بذلك... بيد أن المفارقة هنا، هي عدم تكريم أي رئيس وزراء بعد بلير عقب إنتهاء مهامه، وقيل ان المبرر لذلك هو “ لكي لا يجرحوا شعور” بلير الذي لم يكرم.

وتطرح نفسها التساؤولات التالية: لماذا أقدمت الملكة على تكريم بلير في هذا الوقت بالذات وتجاهلت إتهامه بجرائم حرب والإساءة لمكانة المملكة المتحدة دولياً بسياساته الرعناء؟

وهل ستكرم رؤساء الوزراء الذين جاءوا من بعده وهم أحق وأكثر إستحقاقاً منه؟

لقد أثار هذا “التكريم” المتاخر جدا ضجة كبيرة وردود افعال غاضبة من البريطانيين انفسهم قبل غيرهم من الشعوب التي تضررت من سياسات رئيس الوزراء الاسبق بلير..وقد تجسد الغضب شعبي الواسع في العديد من الفعاليات التي جرت لحد الآن، وأبرزها:

* وقع على العريضة خلال 4 أيام أكثر من مليون و100 ألف مواطن بريطاني على عريضة طالبت بسحب الوسام من بلير بسبب دوره في حرب العراق، والذي يجعله مسؤولاً شخصياً عن ضحايا الحرب من العراقيين والبريطانيين، وإتهمته بـارتكاب جرائم حرب.

 وجاء في العريضة، التي نشرها أنغوس سكوت على موقع change.org إن بلير “ تسبب في ضرر لا يمكن إصلاحه لكل من دستور المملكة المتحدة ونسيج مجتمع الأمة “ أثناء توليه منصبه.وأضافت: “ لقد كان بلير مسؤول شخصياً عن التسبب في مقتل عدد لا يحصى من الأبرياء والمدنيين والجنود في نزاعات مختلفة. ولهذا وحده يجب أن يحاسب على جرائم الحرب”.

وشددت العريضة على ان “ بلير بالذات هو الشخص الأقل استحقاقا لأي تكريم عام ولا سيما أي شيء تمنحه جلالة الملك”. ودعت العريضة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون التدخل لمناشدة الملكة إليزابيث الثانية لتجريد بلير من هذا الوسام الذي لا يستحقه.

*ولعل من بين أبرز المعترضين هن امهات الجنود الضحايا الذين قتلوا في حربي العراق وافغانستان. وقالت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية أنّ العديد من النساء من ذوي الضحايا هدّدن بإعادة نياشين” إليزابيت كروسز” التي أعطيت لأسر العسكريين الثكلى، احتجاجًا على تكريم بلير، الذي كان السبب في مقتل ابنائهن.

وأنتقد الناشطون المناهضون للحرب خطوة التكريم واصفين بلير بأنه مجرم حرب. 

فغرد الصحفي جون بيلجر على صفحته في “تويتر” قائلًا: “إن الازدراء الذي تحمله النخبة البريطانية للجمهور لم يتم التعبير عنه ببلاغة أكبر مما كان عليه في قرار منح توني بلير أعلى وسام فارس”.

وكتب أحد مؤيدي العريضة: “تجب محاكمة توني بلير، وليس منحه وسام فروسية. إن تكريم شخص كهذا يُبرز مدى فساد وانحطاط النظام السائد”.

وكتب المعلق السياسي ليام يونغ على صفحته الشخصية في تويتر إن ” توني بلير حصل على لقب فارس لخدماته الإمبريالية. هذا الرجل يجب ان يوضع في قفص الاتهام في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بدلا من تكريمه ..حقا يا له من يوم مخجل” ،   

وقالت مقدمة برامج “جي بي نيوز” تونيا بوكستون إنها “شعرت بالغثيان” من قرار “الفارس بلير”، الذي “تسبب في وفاة الكثيرمن الابرياء “.

 وغرد جون سميث – ابن المحارب القديم الشهير في الحرب العالمية الثانية والكاتب هاري ليزلي سميث – على صفحته في تويتر بالقول ” يبدو لدى الملكة إنه من المقبول قتل الأشخاص ذوي البشرة السمراء بمئات الآلاف دون عقاب “

وهذه الاراء والمواقف جميعها لم تأتِ اعتباطا وانما اعتمدت على ما ظهر من حقائق خلال العقدين السابقين. كما اكتسبت الحملة ضد بلير زخما أكبر بعد تصريح وزير الدفاع الاسبق (جيف هون) الذي خدم مع بلير، الذي أكد فيه ان “ بلير امره بحرق وثيقة سرية مهمة تقول ان غزو العراق عام 2003 قد يكون غير قانوني)، مع حقائق اخرى جرى التلاعب بها او تغييرها من اجل تبرير الحرب، وانه (اي بلير) عمد إلى اقالته من منصبه لمعارضته لخيار الحرب ليتفادى الاحراج. كما اتهم رئيس رئيس الوزراء الاسبق بانه (ضلل الوزراء والبرلمان والجمهور لدعم حرب اعتبرها الكثيرون غير قانونية وجريمة).

وكانت قد تشكلت في عام 2009 اللجنة البريطانية للتحقيق في الحرب على العراق، التي سميت ( لجنة تشيلكوت) واستغرق تحقيقها 7 سنوات، ونشرت نتائجه في عام 2016، وخلص تقريرها، رغم المؤاَخذات الجدية على عملها، إلى أن تبرير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير وتخطيطه لحرب العراق وتعامله معها ينطوي على العديد من الإخفاقات فيما يمثل حكما قاسيا على دور بريطانيا في الصراع.ووجد التحقيق أن بلير قال للرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش قبل ثمانية أشهر من غزو العراق عام 2003 إنه سيدعمه “أيا كان الأمر” وفي نهاية المطاف أرسل 45 ألف جندي بريطاني إلى المعركة بينما لم تكن الخيارات السلمية استنفدت.

ووصفت لجنة التحقيق التورط البريطاني في الحملة على العراق عام 2003 بغزو دولة شرق أوسطية غير مبرر، كما قاد بلير بلاده للحرب في أفغانستان إلى جانب الولايات المتحدة عام 2001.

وكانت صحيفة “الغارديان” البريطانية قد لخصت محصلة التقرير بـ “ دولة دمرت (إشارة إلى العراق) و”ثقة تهدمت”(إشارة إلى بريطانيا) و”سمعة تحطمت”(إشارة إلى بلير) نتيجة غزو العراق في عام 2003

وعقب نشر تقرير لجنة تشيلكوت طالب الألاف من البريطانيين أن يواجه بلير محاكمة جنائية لقراره القيام بعمل عسكري تسبب في وفاة 179 جنديا بريطانيا وأكثر من 150 ألف مدني عراقي في السنوات الست التالية.

عرض مقالات: