مع نهاية كل عام، يتساءل المعنيون بالشأن الاقتصادي والمالي عن مصير الحسابات الختامية للسنة المالية المنصرمة، وتتحدث بعض الجهات الحكومية عن أن “عائقاً فنياً يقف حائلاً دون الكشف عن الحسابات الختامية لهذا العام”.

والحقيقة (بحسب المختصين) هي ان النظام الحسابي الذي تستخدمه الحكومة “روتيني”، ويحتاج الى أشهر طويلة لإنجاز هذه المهمة، كما ان هناك تعمداً في عدم انجاز الحسابات الختامية لمنع كشف حالات الفساد المالي والاداري وحجم الاموال المهدورة.

ويؤكد خبراء اقتصاديون، ان “اكمال الحسابات بات يرتبط بإقرار الحسابات الختامية للأعوام المنصرمة والتي بعضها لم يشرع فيها اصلاً قانون موازنات، ما يتطلب إقرار قانون “موازنة واقع حال”.

والحسابات الختامية تعني نهاية السنة المالية، ويكون فيها نهاية المصروفات والايرادات وديوان الرقابة المالية يقيم العمليات المالية في مؤسسات الدولة ويبدي رأيه فيها، وبعدها تقر في مجلس النواب.

وتنص المادة 62 - أولا من الدستور على ان “يقدم مجلس الوزراء مشروع قانون الموازنة العامة والحساب الختامي إلى مجلس النواب لإقراره”.

الاسباب

وأكد رئيس ديوان الرقابة المالية رافل ياسين خضير، ان اسباب تأخير إنجاز الحسابات الختامية يعود الى ان الديوان يحصل على البيانات عبر سجلات ووثائق ورقية، وليست الكترونية.

فيما قال وكيل وزارة التخطيط، ماهر حماد، في تصريحات صحافية، أن “وزارتي التخطيط والمالية في سباق مع الزمن للوصول الى أفضل نسبة تمويل للمشاريع وخاصة ذات الأولوية على المستوى الاستراتيجي او ذات التماس المباشر مع حياة المواطنين”.

واضاف انه “لا توجد حسابات ختامية لعام 2021”.

واتصلت “طريق الشعب”، بعدد من أعضاء اللجنة المالية البرلمانية للدورة السابقة، لكن النواب السابقين لم يتفاعلوا مع اتصالات الصحيفة.

سلسلة متواصلة

وقال المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء، مظهر محمد صالح، إن “ما تذكره وزارة التخطيط هو معوقات فنية فقط، ولكن هناك أسباباً تمنع إقرار الحسابات الختامية لأنها عبارة عن سلاسل لا يمكن القفز من عام الى اخر قبل اكمال المتعلقات التي تخص الحسابات الختامية للعام الذي سبقه”.

وأضاف المستشار لـ”طريق الشعب”، أن “اخر حساب ختامي اقر في مجلس النواب كان في العام 2012، والحسابات الختامية لعامي 2013 و2014 ما تزال معروضة على مجلس النواب”، مبيناً أنه “كما هو معلوم ان عام 2014 لم تقر فيه موازنة، وكل ما حدث ان الحكومة صرفت أموالا بموجب قانون الإدارة المالية، ولاحقاً اعد مشروع ميزانية واقع حال لعام 2014، واعدت فيها المصروفات والايرادات الفعلية، ورفعت مع الحسابات الختامية لعام 2013”.

وأوضح صالح، أن “ديوان الرقابة المالية الاتحادي دقق الحسابات الختامية للسنوات المتبقية لغاية عام 2019، لكن المشكلة الأخرى ان عام 2020 لم يشرع فيها موازنة، وبالتالي يجب العمل على قانون موازنة واقع حال لعام 2020 وإدراج الحسابات الختامية لعام 2019، لكي يتم تقديمها مع موازنة عام 2021”.

وتابع: هناك معوقان الان: الأول، هو عدم وجود موازنة في عام 2014. ومعوق اخر يخص موازنة 2020 التي لم تقر. وعلى مجلس النواب ان يشرع قانون ميزانية واقع حال للسنوات التي لم تشرع فيها موازنات.

اما الحساب الختامي لسنة 2015 فقد قدمته وزارة المالية إلى الديوان في 22 /12 /2019، ولكن بسبب وجود نواقص فيه فقد أعيد إلى الوزارة بتاريخ 27 /1 /2020.

وقُدم الحساب الختامي لسنة 2016 من قبل وزارة المالية بتاريخ 9 /1 / 2020، لكنه أعيد ايضا اليها بتاريخ 12/ 3 / 2020 لوجود نواقص فيه.

أنظمة محاسبة روتينية

من جهته، قال الخبير المالي، مصطفى حنتوش، لـ”طريق الشعب”، إن “الدولة العراقية تعتمد في بياناتها على موازين المراجعة الدورية التي تحدد شهريا. وهذه الموازين لا يمكن ان تغلق إلا في نهاية السنة المالية عندما تغلق التخصيصات”.

وأضاف أن “شكل المراجعات لدى الحكومة العراقية يعتمد على نظام المحاسبة الحكومة ونظام المحاسبة الموحد، وهذه الأنظمة هي روتينية وتعتمد على تسجيل ورفع القيود عن طريق المطابقة بين مؤسسات الدولة ووزارة المالية، وهذه المطابقة تحتاج الى أشهر طويلة، فضلاً عن أن  معالجة الأخطاء الحسابية فيها صعبة جداً”. .

وأوضح حنتوش انه “كانت هناك فكرة لتحديث نظام المحاسبة الحكومي والوصول الى نظام اكثر مرونة من المستخدم حالياً، لكن هذا يحتاج الى دورات تدريب للكوادر الحكومية وهذه الفكرة لم يتم العمل على تطبيقها”.

ولفت الخبير إلى أن “عدم تقديم حسابات ختامية دقيقة مطابقة للمصروف الفعلي، هو احد أسباب حالات التضخم”، وعدا ذلك – بحسب حنتوش- فإن “غياب الحسابات الختامية يؤدي الى تضييع حالات الفساد”.

وطالب بأن تتم “أتمتة النظام المحاسبي في العراق وإدخال النظام الالكتروني في عمل مؤسسات الدولة”.

وتذهب بعض التقديرات الى أن حجم الهدر المالي الذي تتحمله البلاد، بسبب عدم تسليم الحسابات الختامية منذ عام  2012 فقط، يزيد على ١٧٦ مليار دولار.

من جهة اخرى افادت تقارير منشورة ان الحسابات الختامية للأعوام 2008، 2009، 2010 و2011، المُحالة من الحكومة الى مجلس النواب، شابها وفقا لملاحظات ديوان الرقابة المالية، الكثير من الثغرات المالية الجدية، ومن ضمنها – كما ذُكر - عدم تسوية سلف مالية تجاوزت أقيامها 124 تريليون دينار، وما من اوليات تخصها !

عرض مقالات: