يرتكز بناء البلدان وتطورها على وجود مؤسسات رصينة فيها ويرتبط تقدمها بمقدار ما تقدمه تلك المؤسسات بكل أشكالها وتصنيفاتها من خدمة في مجالها لتلبية حاجات ومتطلبات المواطنين وتطلعاتهم، إذ أنها عملية تمثل لب وجوهر مفهوم الديمقراطية عندما تنجح السلطات في بلد معين بان تكون على قدر المسؤولية والمهام المكلفة بها وتكون عند حسن ظن مواطنيها باعتبارهم الجهة المستفيدة من ناتج خدمات هذه المؤسسات التي جاءت وفقا لعمليات وإجراءات وآليات تعبيراً عن توجهات الناس وآرائهم في كيفية إدارة الدولة وهذا بالتأكيد هو تطبيق لمبدأ الديمقراطية .

وانطلاقاً من مسميات كثيرة ضمن إطار بناء الدولة أن تتسم تلك المؤسسات بما يناسب الغرض الذي وجدت من أجله ومن هذه المؤسسات والتي ألفناها بعد ٢٠٠٣ هي مفوضية الانتخابات “ المستقلة “ والتي يهدف وجودها لتنظيم وادارة ومتابعة عملية الانتخابات وتطبيق قوانينها كونها مفتاح تمثيل صوت الشعب لإنتاج مجلس نيابي تنبثق منه حكومة وبشكل دوري، مع التأكيد بأن العملية الانتخابية هي آلية من آليات الديمقراطية وليست كلها.

فالمفوضية كمؤسسة كان وضعها مثاراً للجدل منذ تشكيلها بعد ٢٠٠٣ والتي بُنيت وفق نظام المحاصصة الذي يدار به البلد بجميع مفاصله وهذا ما تصدّر مطالب كل الاحتجاجات والتظاهرات منذ انطلاقها وتوسع رقعتها وأصبح مطلب تشكيل مفوضية انتخابات مستقلة فعلا وليس مصطلحاً( بدون اقواس تنصيص) هو مطلب جماهيري حقيقي تبنته الساحات وصدحت به الاصوات ، ولا زال لهذا اليوم يتصدر مطالب المحتجين وحلقات النقاش والحراك الاحتجاجي حتى بعد إعادة تشكيلها نتيجة ضغط انتفاضة تشرين ٢٠١٩ اذ تم تكليف مجلس مؤلف من قضاة مع مراعاة التوزيع الجغرافي وهذا يضع علامات استفهام كثيرة ، إن المتابع والمراقب والمتعاطي مع هذه المؤسسة يلاحظ ضبابية وغموض وتداخل في حدود عملها والمساحات المعنية بالوجود فيها فتارة نجدها تتخذ مواقف سياسية تتعلق بالمشاركة والمقاطعة بالقبول من عدمه وتحديد توقيتات معينة منها مبكر ومنها متأخر، وتارة تصرح بأمور فنية تخص ادارة الانتخابات من موارد بشرية ولوجستيات عندما يكون الحديث عن مدى توفر بيئة انتخابية آمنة، لتناقض تصريحات أخرى تتكلم عن عدم إمكانية وضع سقف محدد للدعاية الانتخابية مما يفرض عدم وجود نقطة شروع واحدة للمرشحين لانطلاق دعايتهم وينافي مبدأ العدالة في ظل وجود تشكيلات مشاركة لها أجنحة مسلحة مع سطوة شبح السلاح المنفلت الذي يمثل هاجسا ملموسا، ناهيك عن فتح باب الدعاية الانتخابية قبل ثلاثة اشهر من يوم التصويت. لذا نجدها أي المفوضية تدخل لمساحات مختلفة منها السياسي ومنها الفني ومنها الاجتماعي لتبدي رأياً هنا وتصريحا هناك وموقفاً في احيان معينة.

من هذا كله يستمر الشك وعدم الارتياح وعدم القناعة بأن هذه المؤسسة قادرة على إدارة وتنظيم العملية الانتخابية بالأخص فيما يرتبط بالجوانب المعنوية وثقافة الانتخاب والوعي بالدعاية والترويج والتصويت.

عرض مقالات: