منذ انتشار وباء الكورونا “كوفيد 19” يجري الحديث كثيرا عن معهد “ماكس بلانك” لدراسة المجتمعات في ألمانيا، وهو معهد بحثي متخصص في أمور معرفية وعلمية هامة. وأخذت العديد من المؤسسات الصحية وإنتاج الأدوية في العالم تسترشد بآراء المعهد العلمية بهذا الشأن. سبيلي في هذه الناصية التعريف بنشأة وأهمية معهد ماس بلانك على المستوى الألماني والعالمي، بفضل ما يقدم من معلومات علمية رصينة بشأن وباء الكورونا الخطير والذي أخذ ينتج سلالات جديدة خطيرة، لعل ذلك ان يعود بفائدة معلوماتية ومعرفية عامة.

 اعتبارا من يناير 2020، يدير جمعية ماكس بلانك 86 معهدا ومنشآت بحثية غير مستقلة قانونا. يأتي معظم التمويل من الأموال العامة من الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات. باستثناء معهد ماكس بلانك لمؤسسة أبحاث الفحم ومعهد ماكس بلانك لأبحاث الحديد المحدودة، هي كيانات قانونية مستقلة بالإضافة إلى معهد ماكس بلانك لفيزياء البلازما، الذي تم تمويله منذ تأسيسه، فقط، من قبل ولاية بافاريا الحرة والحكومة الفيدرالية وصناديق يوراتوم. وكان حتى عام 1970 شركة ذات مسؤولية محدودة، قبل اعلان إفلاسه وتحوله الى ما يعرف MPG بـ “ثانوية ماكس بلانك”. لا تعترف مؤسسة ماكس بلانك لتنمية العلوم إلا بالأعضاء العلميين -هؤلاء عادة ما يكونون مديري معاهد ماكس بلانك المعتمدة قانونا وكذلك الأعضاء العلميين الخريجين -بالإضافة إلى الأعضاء الرعويين الذين يمكن أن يكونوا أشخاصا طبيعيين أو أشخاصا اعتباريين مثل الشركات التي تروج للبحوث غير الهادفة للربح في معاهد ماكس بلانك. تركز جمعية ماكس بلانك بشكل أساسي على البحوث في العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والإنسانيات، وتعمل بالتعاون مع الجامعات، لكنها تظل مستقلة عنها. كما يستهدف البحوث التي لا يمكن تحقيقها من قبل مؤسسات البحث الأساسية الأخرى، نظرا لتعدد التخصصات أو الموارد العالية المطلوبة. بالإضافة إلى ذلك، يقدم أولويات في بعض المجالات البحثية الممتازة لدى عامة الناس، بالإضافة إلى الجامعات والمؤسسات البحثية الأخرى. المبدأ الأساسي لجمعية ماكس بلانك ينص على إتاحة مجال إبداعي متميز ومتعدد التخصصات للعلماء لتطويرهم بشكل مستقل.

غالبا ما يعتمد تمثيل جمعية ماكس بلانك من قبل رئيسها وفق مبدأ هارناك كنهج هيكلي محدد في فيما يسمى تحالف المنظمات العلمية، حيث يقوم رؤساء المنظمات البحثية الألمانية بالتشاور وتبادل الأفكار بانتظام. سمي مبدأ “هارناك” هذا على اسم أول رئيس لجمعية القيصر فيلهلم، المنظمة السابقة لجمعية ماكس بلانك. إنه يمثل تقليديا المبدأ التوجيهي لتعيين أفضل العقول كأعضاء علميين. لا يشير مبدأ هارناك فقط إلى الموقف المركزي للباحث المتميز والاستثنائي كمدير قسم، إنما على أنه “أساسي” من وجهة نظر ماكس بلانك. وغالباً، هو مجموعة من المبادئ التوجيهية البحثية التنظيمية التي تسمح لوجهات النظر العلمية الجديدة، أن تصبح فعالة على المدى الطويل في تنظيم البحث وإنشاء المساحات الحرة من خلال هيكل تنظيمي غير عادي: يقرر كل عضو علمي بنفسه أهداف ومسارات بحثه. جنبا إلى جنب مع الاختيار الصارم لمرشحي التعيين، جعلت جمعية ماكس بلانك واحدة من أقوى نقاط الجذب في ألمانيا لكبار العلماء الدوليين.

تأسست جمعية ماكس بلانك في 26 فبراير 1948 خلال فترة رئاسة أوتو هانOtto Hahn  لجمهورية ألمانيا الفدرالية وبتوجيه من الأمين العام إرنست تيلشوErnst Telschow  للمنظمة، لتخلف جمعية قيصر فيلهلم KWG لتنمية العلوم في غوتنغن. سميت على اسم ماكس بلانك، المؤسس المشارك لفيزياء الكم، وبنفس شعار جمعية القيصر فيلهلم مينيرفا Minerva، الإلهة الرومانية للحرب التكتيكية وبناء السفن والحكمة، التي تحظى بالتبجيل باعتبارها وصية المعرفة وحامية الشعراء والمعلمين. تضمنت جمعية ماكس بلانك في البداية، فقط، معاهد في مناطق ما يسمى بـ “محميات” zone الاحتلال البريطاني والأمريكي في ألمانيا بعد العرب العالمية الثانية، والتي كانت لا تزال موجودة حتى سقوط المنظومة الاشتراكية وتوحيد الألمانيتين في 1990. لم تنضم معاهد القيصر السابقة، الواقعة في منطقة “محمية” الاحتلال الفرنسي، إلا في تشرين الثاني (نوفمبر) 1949، إلى جمعية ماكس بلانك. وفي عام 1953، انضمت معاهد برلين السابقة وتم دمجها وتأسيس كلية الأبحاث الألمانية. في البداية، كان تمويل كل معهد فقط من قبل المقاطعة التي يقع فيها في إطار السيادة الثقافية. قبل تأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية، في 24 مارس 1949، تم التوصل إلى اتفاقية الدولة بشأن تمويل مؤسسات البحث العلمي، والتي تُعرف باتفاقية ولاية كونيغ شتاينر Königsteiner، المتعلقة بالتمويل الوطني. كان من المقرر أن تدخل اتفاقية ولاية كونيغشتاين حيز التنفيذ بعد موافقة برلمانات الولايات الفردية وتطبق بأثر رجعي اعتبارا من أبريل 1949، لتحل محل معاهدة الدولة لعام 1947 لمناطق الولايات المتحدة (مع برلين) بشأن تمويل جامعة الأبحاث الألمانية، من خلال التمويل المباشر لجمعية ماكس بلانك. تم إبرام الاتفاقية مبدئياً لمدة خمس سنوات ثم مددت حتى عام 1959 ومن ثم حتى نهاية عام 1969 وهكذا. منذ نهاية الخمسينات من القرن الماضي، مولت الحكومة الفيدرالية الاستثمارات الهيكلية على أساس المنح وفقا لقانون ميزانية الرايخ. فيما بعد تم إبرام اتفاقية إدارية بين الحكومة الفيدرالية والولايات الفيدرالية، نصت على التمويل المشترك المتساوي للولايات الفيدرالية للاستثمارات والحكومة الفيدرالية لنفقات التشغيل الجارية.

في عام 1960، كان لدى جمعية ماكس بلانك 40 معهدا ومنشأة بحثية تضم ما مجموعه حوالي 2600 موظف، 750 منهم من العلماء، وبلغت ميزانيتها السنوية ما يقرب من 80 مليون مارك (حوالي 186.5 مليون يورو). بحلول عام 2017، ارتفع عدد معاهد ماكس بلانك إلى 84 معهداً ومنشأة، خمسة منها في الخارج. كما زادت الميزانية السنوية زيادة كبيرة (حوالي 1.8 مليار يورو) وعدد الموظفين (حوالي 22000). بعد انضمام الولايات الفيدرالية الخمس الجديدة إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، بين عامي 1990 و2002، تم إنشاء ما مجموعه 18 معهدا جديدا ومركز أبحاث ومعهدا فرعيا في الولايات الفيدرالية الجديدة، أدى إلى زيادة في عدد المعاهد بنحو الثلث، وحوالي 4000 موظف أبحاث في المعاهد والمرافق في الولايات الجديدة. ووفقاً لما يسمى بـ “البرنامج الفوري”، تم بعد الوحدة الألمانية إنشاء عدد من مجموعات العمل في الجامعات، التي كانت حتى عام 1998 غير موحدة، تم دمجها جزئيا في الجامعات. وتم تمويل التنمية في الولايات الفيدرالية الجديدة جزئيا من خلال التحول من الغرب إلى الشرق، حيث كان لا بد من إلغاء 740 وظيفة في الولايات الفيدرالية القديمة في نفس الفترة كجزء من “برنامج التوحيد الفيدرالي”. 

في عام 2003، أطلقت جمعية ماكس بلانك إعلان برلين بشأن الوصول المفتوح إلى المعرفة العلمية وصممت فيما بعد أرشيفا إلكترونيا لمنشورات موظفيMPG، ونظامDoc، الذي يحتوي حاليا على 21000 نص كامل جيد، 9000 منها متاحة للجمهور. يعمل نظام العلوم الألماني على أساس التقسيم الانتاجي للعمل بين الدولة والقطاع الخاص. تمثل الشركات الخاصة ثلثي نفقات البحث والتطوير في ألمانيا. يُعزى الثلث المتبقي إلى حد كبير إلى جامعات الدولة، التي تشكل نطاقا واسعا ليس فقط في التدريس الأكاديمي، ولكن أيضا في الأبحاث. بالإضافة إلى ذلك، تقدم كل من المنظمات البحثية غير الجامعية مساهمات محددة جدا لنظام العلوم. من خلال عملياتها التي يقودها العلم، تؤيد جمعية ماكس بلانك تطوير مجالات جديدة في البحث الأساسي في المشهد العلمي الألماني وتعتمد كليا على تنمية الإبداع الفردي.

عرض مقالات: