التجربة الديمقراطية في العراق، مضى عليها أكثر من 18 سنة، وهناك خمس دورات انتخابية مرت على البلاد، وهناك خاسرون وفائزون، ولم نسمع عن الخاسرين أنهم رفعوا السلاح بوجه الدولة، رغم أن الانتخابات السابقة كانت تعج بعمليات التزوير الفاضحة، لكن الخاسرين قبلوا بها ولم يهددوا المفوضية وجهازها الاداري، وانما قدموا طعون الاعتراض على نتائج الاصوات التي حصلوا عليها بشكل قانوني ومسار سلمي دون أن يعرضوا الساحة الوطنية لخطر الانزلاق نحو حافة الهاوية.

وحيث أن الجميع قد اجتمعت ارادتهم على النظام الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة والقبول بمخرجات العمل الديمقراطي السلمي المستند إلى القانون والمؤسسات الدستورية، فلابد أن تتجه الإرادة السياسية نحو الإيمان بالمسار الديمقراطي وتعزيز دوره في ترسيخ القانون واحترام النتائج والمخرجات التي تطرحها الانتخابات في إطار الديمقراطية، بما يتناسب مع موقع العراق الحضاري وعمقه التاريخي في امتلاكه أول شريعة قانونية عرفتها الانسانية، في زمن التخلف والحكومات المستبدة والمستندة للسيف والظلم والجبروت.

إننا أمام تحد كبير وهو يضعنا في خانة الشعوب التي تسعى لترميم وضعها الداخلي وسط  أكوام من المشاكل والتحديات والصعوبات ،  وهو ما يشكل أبرز التحديات في وضع سياسي مأزوم ومتوتر ، وليس هناك ما يشير إلى أن القوى التي تعرضت لعقوبة في هذه الانتخابات، من خلال إعراض المقترعين عن منحهم أي فرصة للعودة لنظام التحاصص وتقاسم النفوذ ، ولابد أن يفهموا اللعبة الديمقراطية ومساراتها ، ويتخلوا عن سياسة لي الاذرع والابتعاد عن العودة لنظام التوافق ، وهو النظام الذي حكم البلاد أكثر من 18 عاما ولم يقدم لشعبنا سوى مزيد من الفساد ونهب المال العام والتراجع في التربية والتعليم وعدم احترام الدستور ، وسوء الخدمات والبطالة والقائمة تطول .

لذلك فنحن نرى أن سياسة التوافق سياسة عفا عليها الزمن ،وهي كانت طريقا للتخريب ولم تقدم للبلاد والعباد سوى التراجع الخطير في جميع المجالات ، فقد توقفت آلاف المصانع ، وتعطلت الزراعة ، وتضخمت دوائر الدولة بالبطالة المقنعة، بينما نحتاج إلى دوائر نظيفة من الفاسدين، لتكون على مقربة من المواطن، وأن تتراجع الهويات الفرعية لصالح المواطنة العراقية وهوية الوطن، وان نشهد تقدما في بناء المدارس لاستيعاب الأعداد الكبيرة التي يشهدها كل عام دراسي جديد ، حيث تؤكد احصاءات وزارة التخطيط على أن أعداد الطلبة الجدد  تزيد على نصف مليون طالب ..وهو ما يرسخ القناعة بأن المدارس المتهالكة أصبحت غير قادرة على استقطاب هذه الأعداد التي تتوسع سنويا .

ولذلك فلابد من حكومة موالاة ومعارضة، لتصحيح المسار الديمقراطي، ومراقبة السلطة التنفيذية وأداء مجلس النواب وتشريع القوانين المعطلة، ورسم سياسة تحرك عجلة الصناعة وتعمل على امتصاص البطالة، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

كما نحتاج إلى حكومة تستطيع أن تمنع الفاسدين من التلاعب بأموال وثروات البلاد، وتكرس القانون والنظام والمؤسسات، وتضع البلاد على سكة الإصلاح والتغيير والبناء. وتحاسب قتلة المتظاهرين، وتقدمهم للقضاء لينالوا جزاءهم العادل.