العراق وطن الحضارة والانبياء والرسالات الاصلاحية والقانون، فقد شهدت بابل أول قانون عرفته الإنسانية في حياتها، حيث تعتبر مسلة حمورابي أول تشريع مدني لقانون يعالج مشاكل المجتمع بروح جديدة وحاكمة.

وبعد آلاف من السنين يحاول العراقيون أن يصنعوا لبلادهم نظاما يتمسك بأحكام قانونية، ويتحرك بسياقات مشرعة تضعهم بمصاف الشعوب المتقدمة والتي سارت في الأنظمة الدستورية والتداول السلمي للسلطة واحترام الحريات العامة والخاصة وصيانة السيادة الوطنية وإبعادها عن المساومات والولاءات والخلافات.

وقد شهدت الساحة العراقية أربع دورات انتخابية على مدى ثمانية عشر عاما، وفي العام 2019، أعرب الشباب العراقي عن رغبتهم في دولة مدنية ديمقراطية، تفرض سيادتها، وتحمي شعبها، وتحرر ثرواتها، وتبني البلاد وتحرم الفساد، وتستعيد البلاد ارادتها السياسية وتمنع التدخلات الاجنبية، وتخلق المناخات والسياقات المشروعة في توفير الأمن والسلم المجتمعي بعيدا عن السلاح غير القانوني.

ورغم النسبة المتدنية للعدد المشارك في الانتخابات، ورغم ما شهدته فترة الدعاية الانتخابية من بذخ كبير وسطوة المال السياسي، والكثير من مظاهر الابتزاز والترغيب والترهيب، لكن كثيرا من الذين شاركوا بالانتخابات عبروا بشكل واضح عن خياراتهم بطريقة وطنية عابرة للطائفية، فمنحوا أصواتهم بشكل مغاير لما كانت تنتظره القوى المتمسكة بالكراسي والتي لم تقدم للبلاد والعباد إلا التخلف والتراجع والبطالة وتخريب التعليم وتعطيل المصانع والفساد والمحاصصة وتقاسم المغانم، وعراق منقوص السيادة.

يتصور البعض أن الخسارة في الانتخابات يجب أن لا تكون من نصيب المتنفذين، وأن المتمسكين بالكراسي يجب ان تنتخبهم الناس مهما كانت الأحوال والظروف والاختلافات، وهم لن يتزحزحوا عن كراسيهم ابدا.     

هذا الموضوع يتعارض تماما مع النظام الديمقراطي، ولا يتفق مع قانون الانتخابات والدستور والمسار الديمقراطي الذي كرسه الدستور الذي صوت عليه شعبنا عام 2005، رغم المآخذ الكثيرة التي سجلناها على بعض مواد الدستور.

لا شك أن التداول السلمي للسلطة، يعتبر المحور الأول للانتخابات التي ثبتها الدستور كل أربع سنوات، ويجب أن تبتعد القوى السياسية عن كيل التهم للآخرين، واتباع السياقات القانونية في تقديم الشكاوى والطعون وبالشكل الذي يعكس الرغبة الحقيقية في ترسيخ القيم الديمقراطية والتعامل معها بأسلوب حضاري وقانوني يحترم رأي المقترعين وخياراتهم.

ونحن نطمح أن نرى من الذين لم يحالفهم الحظ في هذه الانتخابات، أن لا يتسببوا بزعزعة الامن والسلم المجتمعي، وأن يعبروا عن آرائهم من خلال تقديم الطعون ضمن المدد القانونية، وأن يتمسكوا بالقيم الديمقراطية والقانونية، ولا شك أن القانون من افضل ما يمكن اللجوء اليه في توفير ألأمن والأمان وصيانة الحقوق واحترام الرأي والرأي ألآخر، وأن يسود نظام المؤسسات وان ينتهي نظام المحاصصة وتقاسم المناصب والمكاسب، ونتخلى عن التعالي السياسي لأن المسؤولية في الدولة ليست ترفا أو نزهة او منصبا سياديا،  المسؤولية الوظيفية ليست إلا خدمة للمواطن والوطن.

ولكي نعكس لدول العالم أننا شعب يمتلك تاريخا حضاريا عريقا وعظيما، وأننا متمسكون بالخيار الديمقراطي في التداول السلمي للسلطة، فلابد أن نحترم خيارات شعبنا، ونحتكم للسياقات الشرعية في مواقفنا.