يبدو أن العلاقة التلازمية بين النمو الاقتصادي وارتفاع الرواتب والأجور قد انهار في الاقتصاد العراقي، وثمة شواهد تدل على تباطؤ وتيرة زيادة الأجور رغم تعافي الاقتصاد، وهذا يعني أن الدخل الحقيقي في بعض الحالات، إذا وضعنا في الاعتبار تأثير التضخم على القوة الشرائية، لم يشهد أي ارتفاع، وربما لم يصل الدخل الحقيقي إلى هذا المستوى من الركود منذ سنوات عديدة.

ومن المتوقع أن يرتفع معدل الفقر إلى 40 في المئة من سكان البلاد البالغ عددهم 40 مليون نسمة، يتزامن ذلك مع تشكيل مجموعة من الإجراءات المدرجة في مسودة ميزانية 2021، وفي مقدمها، تخفيض قيمة العملة الرسمية من 1190 دينارا عراقيا في مقابل الدولار الأميركي إلى 1450 دينار، وهي أول إجراء من هذا النوع منذ نصف عقد.

ويعد القطاع العام هو أكبر صاحب عمل في العراق مع نحو أربعة ملايين موظف، فضلا عن ثلاثة ملايين متقاعد ومليون شخص يتقاضون مرتبات الرعاية الاجتماعية.

 حيث أن مصطلح الراتب يستخدم عادة عندما تحصل شهريًّا على مبلغ ثابت (راتب شهري). وفي مقابل ذلك، تُذكر اللفظة أجر عندما يتقاضى العامل أتعابه نظير العمل بالساعة (الأجر بالساعة)، ولذلك تتحدد قيمة الأجر الشهري بعدد الساعات التي عملتها خلال الشهر. 

وقد أدى وجود الثروة النفطية في منطقة الخليج إلى اعتقاد الكثير من الناس بأن زيادة الرواتب هو استحقاق في حالة زيادة إيرادات الدولة، حتى لو لم تتحسن إنتاجية الموظف، والمعروف في دول العالم بأن ملكية الثروات الطبيعية، التي منها الثروة النفطية، ليست محصورة بمنسوبي الدولة ولا مقصورة عليهم، ولكنها ملك للمجتمع ككل، كما أنها ليست حكرا لجيل واحد، وإنما تشارك في ملكيتها الأجيال القادمة.

ولا يخفى أن يعاني العراقيون في يومياتهم صعوبة الحصول على السلع الأساسية، وكذلك مشقة الوصول إلى الخدمات الملحَّة وتفاقم كل ذلك مع خسارة قيمة مدخراتهم، وفي ظل هذا الواقع أصبحت زيادة الرواتب أمرا ضروريا جدا حتى يتمكن المواطن من تلبية حاجاته الملحة، في ظل الغلاء الفاحش وارتفاع الأسعار اليومي ورفع الدعم عن السلع الذي يأتي تباعا بصورة مقنعة، فظهرت دعوات من أجل إعادة النظر في سياسة الرواتب”. لتتماشى مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى أكثر من 30 بالمائة بسبب ارتفاع سعر الدولار، مبينا أن دخل الموظف في المحافظة تضررت قيمته الشرائية بقيمة 50 بالمائة.

يذكر أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت إلى أكثر من 30 بالمائة عن سعرها السابق، أن هذا الارتفاع تسبب بفقدان الموظف إلى نحو 50 بالمائة من القيمة الشرائية لمرتبه.

مع الاشارة إلى أن هذا الارتفاع في الأسعار يترافق مع ارتفاع سعر برميل النفط فوق الأسعار المحددة في الموازنة يتطلب من الحكومة مراجعة سعر الصرف وإرجاعه إلى سابق عهده، حيث أن السوق شهد ركودا فضلا عن هجرة التجار ورؤوس الأموال.

وكون التعاملات بالدولار فقد اختلفت كل الأسعار، فكلما يرتفع، ترتفع معه المواد الغذائية، الانشائية، والملابس”، مما يشير إلى أن صعود أسعار السلع في المحال يرتبط بالارتفاع في صرف الدولار.

وبرغم اتفاق الجميع على أن ظاهرة الغلاء تتعدى حدود ميزانيات العائلات والأفراد أصبحت تعاني من الظاهرة نفسها تحت ما يسمى «بالتضخم» إلا أن مظاهر الغلاء تختلف وتتنوع أشكالها حتى اعتدنا دون إرادة منا على دفع أي زيادات تطلب دون أن نسأل عن سبب الزيادة أو مصدرها، حتى نجد أنفسنا أمام متطلبات عديدة ومستلزمات أسرية متعددة الاشكال بدءًا من أقساط المصارف وسيل الفواتير للكهرباء وطلبات الأسرة التي لا تنتهي.. أرقام وأرقام ومعدلات حسابية تبحث عن ممول ليس في ميزانيته حد أدنى للمنطق والمعقول، فغلاء المعيشة ظاهرة على المجتمع كله. وبالنسبة لمجتمعنا فمن الطبيعي أن تكون الأسعار مرتفعة لأننا نعتمد في كل متطلباتنا في الحياة على الاستيراد من الخارج من مأكل ومشرب وكماليات وكل مسببات الحياة الترفيهية والكمالية، وبالتالي فعندما يتم استيراد تلك البضائع تكون تكلفتها أعلى من بلد المنشأ وهنا فنحن نستورد التضخم نفسه من تلك البلاد المصدرة لسلعها إلى بلادنا. ومن أسباب غلاء المعيشة في مجتمعنا: أن الشعب لديه نزعة استهلاكية شديدة وواضحة مما يشكل زيادة في الطلب على السلع والبضائع المستوردة، وبالطبع فعندما يزيد الطلب ترتفع الأسعار وذلك نتيجة لغياب الوعي الاستهلاكي لديهم، ولعدم تحديد ميزانية لكل أسرة بين الدخل الشهري ومعدل الإنفاق فنجد أن الإنفاق الشهري الاستهلاكي أكثر من الدخل لدى شريحة كبيرة من الأفراد، وهذا الغلاء لا ينحصر في سلعة معينة دون أخرى، فنراه في المواد الغذائية والملابس والسكن والعقارات والادوية والأثاث والمفروشات والمواصلات وخدمات الاتصال والخدمات الترفيهية وغيرها. فمثلاً في المواد الغذائية نجد أن المستهلك مضطر إلى شرائها بأي سعر كان مع علمه التام بأنها أغلى من سعرها الأصلي، والغريب اننا نجد تواطؤاً أو اتفاقا شبه كامل بين التجار لرفع أسعار السلع واجبار المستهلك على الشراء في كل الأحوال وبأي سعر يحددونه، فهم يعلمون ان المستهلك محتاج للشراء وفي نهاية الأمر سيخضع للقبول بالسعر ويقبل على الشراء ولو كانت امكانياته المادية محدودة ولا تسعفه لسداد جميع حاجاته.

إذن لابد من التحكم في ارتفاع الأسعار والتخفيف من وطأته على المستهلكين، مما سيساهم في استقرار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ويزيد من استقطاب المزيد من الاستثمارات للأسواق الخليجية من خلال رفع قدراتها التنافسية.

وبالتالي، مطلب الزيادة محق وضروري، ولكن هناك استحالة في تحقيقها، لأنها قد تؤدي إلى المزيد من التضخم وتآكل القدرة الشرائية وتحقق عكس ما هو مأمول منها في ظل اقتصاد منهك ومدمر.

في ظل هذا الواقع الصعب وحجم الهوة الكبير بين الدخول وتكاليف المعيشة يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل باستطاعة الحكومة أن تسير بالخط البديل لزيادة الرواتب ألا وهو خفض أسعار السلع والمواد لتناسب قدرة المواطنين الشرائية حالياً؟ هل بإمكانها تحقيق هذه الخطوة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة وخاصة إذا علمنا أن الفجوة كبيرة جداً بين الدخل وبين متطلبات المعيشة،

حيث يشكو المواطنون من أن دخل الفرد العراقي لا يتناسب ومتطلبات الحياة اليومية في ظل ارتفاع أسعار المواد الأساسية.

 إن الأسعار عالية جدا ومرتفعة وأن دخل المواطن محدود فضلاً عن أن غالبية المواطنين يشكون من الوضع الحالي السائد ولا توجد رقابة فعلية.  إن الأسعار بشكل عام عالية جدا وإذا ما قورنت بالرواتب فإن الرواتب بحاجة إلى تعديل جذري لكي تتناسب وارتفاع الأسعار على أن يؤخذ بعين الاعتبار ما يشهده السوق من ارتفاع في الأسعار وخاصة المواد الأساسية، حيث نلمس يوميا أن هناك ارتفاعا للأسعار وبالتالي فإن ما هو مطلوب تحديد الأسعار وأن تفرض رقابة صارمة على السوق بحيث يتقيد الجميع دون استثناء بالتعليمات الرسمية ومنع انفلات الأسعار بهدف الوصول إلى استقرار حقيقي لها. وإذا تطلعنا إلى المدى البعيد فإنه يجب العمل على زيادة الرواتب بشكل تدريجي لكي تتناسب وزيادة الارتفاع في الأسعار ونتمنى على الحكومة أن تعمل على زيادة الرواتب بشكل مستمر وان لا تكون الزيادة لمرة واحدة فقط.

في الخُلاصة، إنّ زيادة الرواتب والأجور صارت واجبًا على الحكومة وحقًّا للمُوظّفين بمُختلف فئاتهم، لكن أيّ إقرار لهكذا خُطوة مُهمّة، من دون تحضير الأجواء المناسبة لها، يعني التسبّب تلقائيًا بانهيار جديد لقيمة العملة الوطنيّة وبارتفاع جديد للأسعار. وبالتالي، يجب في المرحلة الراهنة وقف النزف الحاصل، ومنع ازدياد وتيرة التضخّم، على أن تتمّ زيادة الرواتب والأجور للقطاعين العام والخاص في مرحلة لاحقة، وتحديدًا بعد الوُصول إلى استقرار داخلي على مُختلف المُستويات السياسيّة والاقتصادية والمالية، وخُصوصًا بعد استعادة الثقة، وكلّ ما عدا ذلك، عبارة عن هرطقة فارغة، هو بمثابة جريمة إضافية بحقّ الوطن والمواطنين.