كان القطاع الزراعي قبل عام 1958 يدار بالكامل تقريبا من قبل الاقطاع. كما تميزت الفترة بين 1920-1958 بسيطرة القطاع الخاص شبه الكامل على تجارة العراق الداخلية والخارجية، وكان تدخل الحكومة في هذا القطاع بحدود ضيقة.

وقد أصدرت الحكومة العراقية آنذاك عدة قوانين لتنظيم الحياة الاقتصادية:

(1) في عام 1923 أصدرت قانون التعرفة الجمركية تضمن عددا من المحفزات والاعفاءات من الرسوم الجمركية مما شجع على استيراد بعض المكائن وقامت على إثرها صناعة آلية.

(2) في عام 1929 صدر قانون تشجيع المشروعات الصناعية رقم (14).

(3) في عام 1933 صدر قانون الضريبة الجمركية رقم (11).

(4) في عام 1936 تم تأسيس المصرف الزراعي الصناعي العراقي، ثم انشطر في عام 1940، إلى مصرفين متخصصين زراعي وصناعي.

وبعد تأميم النفط العراقي في سبعينات القرن الماضي، حصل العراق على عوائد مالية كبيرة انعكست في استثمارها في مشاريع اقتصادية واجتماعية ضخمة ومشاريع البنى التحتية وتوسيع الصناعات التحويلية وانتعش القطاع العام الذي قاد هذا النشاط. الا أن الفترة من عام 1968 ولغاية سقوط النظام الدكتاتوري المقبور عام 2003 تميزت بنمط سياسي وأيديولوجي معين وأدت سياسة النظام العدوانية، إلى اندلاع الحرب مع إيران للفترة (1980- 1988) ومن ثم قيامه بغزو الكويت عام 1990 وتداعيات الغزو المتمثل بفرض الحصار الاقتصادي على العراق وخلق ازمات اقتصادية واجتماعية وسياسية عانى منها شعبنا الكثير. ويلاحظ أنه بعد تأميم النفط عام 1972 توسع القطاع الصناعي العام على حساب القطاع الصناعي الخاص الذي تقلص نسبيا. كما صدر قانون رقم (22) لسنة 1973 (قانون تنمية وتنظيم الاستثمار الصناعي للقطاعين الخاص والمختلط) الذي تضمن اعفاءات جديدة من الضرائب والرسوم الجمركية فيما يتعلق باستيرادات النشاط الخاص من المكائن والمعدات والمواد الاولية وبما يهدف، إلى تشجيع الاستثمار في القطاع الخاص. غير أن الحرب مع إيران كان لها الأثر الكبير في انخفاض معدلات نمو الناتج المحلي الاجمالي، إلى مستوى (5.4 في المائة) اضافة، إلى انخفاض معدلات الاستثمار والادخار وارتفاع نسبة الديون الخارجية والتي قدرت بـ (20 بليون دولار) مما أثر سلبا على وضع التنمية في العراق وزيادة العجز في الموازنة العامة. ولغرض مواجهة الأزمات والسلبيات في أداء القطاع العام، رسمت الحكومة آنذاك عام 1987 توسيع دور القطاع الخاص حيث أصدرت القانون رقم (64) لسنة 1988 الذي اعطى المستثمرين العرب مجالا واسعا من الاعفاءات الضريبية والجمركية لمساعدتهم في المشاركة في التطوير. وفي عام 1989 أصدرت الدولة القانون رقم (45) الذي تضمن تشجيع القطاع الخاص في مجال التجارة.

سياق التحول للخصخصة في العراق: كان السياق العام على محورين:

الاول: اعتماد منهج رفع القيود التي يمكن أن تعترض عمل القطاع الخاص والسماح له بمزاولة العديد من النشاطات الاقتصادية التي لم يكن مسموحا له بمزاولتها سابقا مثل قرار 132 لسنة 1987 بإطلاق رأس المال الإسمي للشركات الخاصة وتقديم تسهيلات ائتمانية ميسرة. وكذلك القانون 46 لسنة 1988 الذي منح الاستثمارات العربية امتيازات واعفاءات ضريبية وجمركية لتشجيعها للمساهمة في مشاريع التنمية في القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية والسياحية والمقاولات الانشائية وغيرها. اضافة، إلى اصدار القانون (52) لسنة 1988 الذي منح القطاع الخاص حق الاستيراد دون تحويل خارجي. كذلك اصدار القانون رقم 74 لسنة 1988 الذي أعفى المشاريع الخاصة من الضرائب والرسوم لمدة عشر سنوات. كما تم اصدار القانون رقم 45 لسنة 1989 القانون التجاري لتشجيع زيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط التجاري والوكالات التجارية للمساهمة في عملية التنمية.

المحور الثاني: تحويل المؤسسات العامة التي تمارس أنشطة اقتصادية، إلى شركات ذات شخصية معنوية مستقلة تعمل على وفق اسس تجارية في كافة الانشطة الزراعية والتجارية والصناعية والخدمية والمقاولات الانشائية... والسماح للقطاع الخاص بمنافسة القطاع العام في الانشطة المذكورة. ويلاحظ ان المرحلة الثانية لم تشهد نجاحا يذكر. وحتى اليوم تعاني شركات التمويل الذاتي العديد من المشاكل المالية والأزمات وقد استغنت عن العديد من منتسبيها مجبرة اياهم على التقاعد وامتنعت عن دفع رواتبهم الشهرية ولعدة أشهر مما اضطر هؤلاء، إلى التظاهر والاعتصام مطالبين بحقوقهم. لقد تمت عملية نقل الملكية من القطاع العام، إلى الخاص بفترتين: الاولى: امتدت من (1978 – 1990)، حيث تم تحويل (76) منشأة صناعية، إلى القطاع الخاص وفق ضوابط وتعليمات. كما تم بيع عدد من مشاريع القطاع العام غير الاستراتيجية، إلى القطاع الخاص كمحطات الغاز وخدمات السيارات ومراكز التسوق الحكومية إضافة، إلى تأسيس 16 شركة مشتركة وخاصة فضلا عن شركات لإدارة فنادق شيراتون في بغداد والبصرة والمركز السياحي في الحبانية.

اما في المرحلة الثانية، فقد تم طرح فكرة تحويل جزء من ملكية عدد من المشاريع التابعة لوزارة الصناعة والمعادن لتصبح شركات مساهمة في اواخر عام 1993.

الخصخصة في العراق بعد عام 2003:

بعد سقوط النظام الدكتاتوري المقبور عام 2003 واحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الامريكية، قامت سلطة الاحتلال المدنية بعدة اجراءات:

  1. اصدار مشروع قانون الاستثمار الاجنبي رقم (39) لسنة 2003 الذي سمح للشركات المتعددة الجنسية بالعمل في العراق ضمن مشروع (إعادة اعمار العراق).
  2. افتتاح عدد من البنوك الاهلية الخاصة.
  3. الدعوة، إلى اشراك الاستثمار الاجنبي المباشر في إعادة (اعمار العراق).
  4. تعاقد العديد من الشركات الخاصة المحلية الكبرى مع الهيئات الحكومية والمنظمات الدولية للمساهمة في (إعادة اعمار العراق).
  5. توقف معظم المعامل وشركات القطاع العام عن العمل دون ان تمتد لها يد الاصلاح والتأهيل وتعرضها للسرقة امام انظار القوات الامريكية المحتلة.

كما قامت وزارة الصناعة والمعادن بعرض (35) معملا للإيجار في أيلول 2003، وفي اذار 2004 طرحت الوزارة اسلوب (المشاركة المؤقتة) في تأهيل وتحديث مصانع الشركات التابعة لها ونقل التكنولوجية من الشركات الاجنبية المختصة. وهذان الاسلوبان (الايجار والمشاركة المؤقتة)، هما طريقة جديدة لتطبيق الخصخصة في العراق. المبررات التي دعت العراق لاعتماد الخصخصة:

توجد مجموعتان من العوامل: خارجية وداخلية:

العوامل الخارجية:

  1. انهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الاشتراكية وتحولها السريع، إلى اقتصاد السوق والابتعاد عن اسلوب التخطيط المركزي، قدمت قوة دفع كبيرة، إلى الليبرالية في البلدان النامية.
  2. التركز الرأسمالي وظهوره في نشأة وتوسع الشركات متعددة الجنسيات الذي شكل انتاجها 60 في المائة من حجم التجارة الدولية لمختلف السلع، وكان له الأثر في جذب نشاط هذه الشركات لاقتصادات الدول النامية وربطها بعجلة اقتصادها وتوطيد تبعيتها.
  3. الدور الذي لعبه صندوق النقد الدولي وكذلك البنك الدولي في الترويج لبرامجهما وشروطهما بمنح القروض للبلدان النامية ومنها العراق لسد العجز في الموازنة العامة، خاصة بعد هبوط اسعار النفط الخام في الاسواق العالمية. وقد أسرع العراق بالتوجه نحو هاتين المنظمتين متقبلا شروطها في اتباع سياسة الخصخصة واقتصاد السوق.

العوامل الداخلية:

  1. ضعف كفاءة اداء القطاع العام وانخفاض العائد على رؤوس الأموال المستثمرة في منشئات القطاع العام.

  2. تدمير البنى الارتكازية للاقتصاد العراقي.

  3. ارتفاع نسبة المديونية للعراق وسحبه أرصدته الخارجية كافة خلال حربه مع إيران.

  4. توقف ايراداته النفطية بسبب الحصار الاقتصادي الذي فرض عليه بعد غزوه الكويت.

  5. عدم تنويع مصادر دخله واعتماده الكلي على تصدير النفط الخام.

  6. غياب الأمن الغذائي وشحة المواد الغذائية وانعكاس ذلك على استيراداته التي شكلت المواد الغذائية نسبة 70 في المائة منها.

  7. عدم اعتماد العراق سياسة مالية ونقدية سليمة والتي ادت، إلى انخفاض القيمة الشرائية للدينار العراقي والهبوط الحاد في سعر صرفه مقابل الدولار الامريكي.

وبهذا الصدد فقد أشارت وثائق الحزب الشيوعي العراقي، إلى ضرورة وضع خطة اقتصادية - اجتماعية استراتيجية واضحة المعالم تعتمد معرفة عميقة بخلفيات وأمراض الاقتصاد العراقي وتوظيف امكانيات قطاع الدولة والقطاع الخاص والاستثمار الاجنبي في مسار منسق وفي إطار نهج سياسي ديمقراطي ثابت لانتشال البلد من تخلفه وتبعيته الاقتصادية وتخليصه من الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للثروة وإطلاق طاقاته الانتاجية الكامنة واللحاق بركب الحضارة والتقدم العلمي والتكنولوجي. وبينت الوثائق بأن المشكلة ليست في الانتقال من التخطيط والادارة المركزية، إلى الاقتصاد الحر، لان ما شهدته الفترة الماضية لم يكن تخطيطا علميا ولا ادارة سليمة بل كان تسلطا وتفردا واستهتارا بالقوانين، وان التخطيط ضروري للإدارة العلمية للاقتصاد الوطني وهو لا يتناقض مع اللامركزية، بل هو بديل للفوضى والعفوية. كما لا تعالج المشكلة بخصخصة قطاع الدولة اذ سبق للنظام الدكتاتوري المقبور بالخصخصة منذ الثمانينات وكان ذلك عبارة عن عملية ترحيل لأملاك الدولة، إلى اللصوص من البيروقراطيين والطفيليين ولم تؤد تلك الاجراءات، إلى زيادة طاقة اقتصاد البلد الذي بقي اقتصادا متخلفا ذا طابع ريعي خدمي ولم يوظف هذا الريع في تطوير الطاقة الانتاجية وتنويع الاقتصاد بل تم توجيهه لبناء الاجهزة القمعية وعسكرة المجتمع والتسلح وبناء مرتكزات سلطة الاستبداد والدكتاتورية واعتماد نهج الترف والبذخ والاسراف. وأكدت وثائق الحزب الشيوعي العراقي ايضا على الوقوف بوجه الدعوة إلى اعتبار الخصخصة وصفة عامة وشاملة لحل مشكلات الاقتصاد العراقي وتحقيق التنمية في مطلق الاحوال ولاسيما خطط خصخصة المؤسسات والشركات المملوكة للدولة ذات الجدوى الاقتصادية بدلا من إعادة تأهيلها واصلاح ادارتها.

وعن تخلف صناعتنا الوطنية يرى الدكتور صالح ياسر في ( ملاحظات اولية حول استراتيجية التنمية الصناعية حتى عام 2030) ،بان المشكلة لا تكمن في المصانع التي هي عبارة عن كتل حديدية صماء وانما تكمن في كيفية تسييرها وفي السياسات المقصودة التي اعتمدتها القوى التي أدارت القطاع الصناعي بعد 2003 والتي سعت إلى عدم الاهتمام بتلك المؤسسات وانما سعت إلى افشال اية محاولة لا جراء اصلاحات حقيقية في هذه المؤسسات تساعد على انتشالها من واقعها المتردي بهدف ان تفشل تلك المؤسسات لتبرر لصانع القرار اتخاذ القرار بتصفية تلك المؤسسات وبيعها كـ (حديد خردة) ،إلى حيتان المال من البرجوازيين الجدد و بأبخس الاثمان بحجة عدم كفاءتها وتقادمها تكنولوجيا وان تكاليف اصلاحها باهظة.

استنتاجات:

  1. ان الخصخصة ليست حلا سحريا لما يعانيه الاقتصاد العراقي من تخلف وصفة أحادية وانما من الضروري اصلاح وتفعيل القطاع العام وشراكة القطاع الخاص والمختلط في ادارة النشاطات الاقتصادية.
  2. الاهتمام بقطاع الدولة باعتباره قاعدة رئيسية للاقتصاد الوطني وعامل توازن اقتصادي واجتماعي والعمل على اصلاحه.
  3. تشجيع القطاع الخاص ومبادراته لمساعدته في تنمية قدرات البلاد الانتاجية والارتقاء بالمستوى التنافسي لمنتجاته.
  4. محاربة الفساد الاداري والمالي وحماية المال العام.
  5. تنويع مصادر الدخل الوطني ضرورة للتخلص من الصفة الاحادية لاقتصادنا الوطني.
  6. ضرورة تبني استراتيجية تنمية مستدامة واعتماد خطط تنموية متوسطة وقصيرة الاجل.
  7. توظيف العوائد النفطية لأغراض الاستثمار والتنمية.
  8. اسلوب الخصخصة الذي اعتمد في العراق لم يحقق اي تطور لاقتصادنا الوطني.
  9. من الخطأ ان يتم بيع او نقل ملكية المؤسسات العامة يفتح فيها باب الفساد والرشاوي دون دراسات وافية.
  10. ارتباطا بعملية الخصخصة في ضوء الدروس المستفادة لابد من إطلاق المبادرات الفردية في مجتمعات الدول النامية، وان لا تكون متسرعة وانما تدريجية، وان تتم بعد فشل اجراءات تأهيل واصلاح مؤسسات القطاع العام. كما يمكن للخصخصة أن تتخذ أشكالا وأساليب متعددة.
  11. من أبرز صور الخصخصة: الغاء سياسات التسعير الجبري والاستغناء عن العمالة الفائضة في المشاريع العامة وترشيد او رفع الدعم الحكومي للمشاريع العامة.