تباينت الاراء حول التكييف القانوني للانتخاب، فقد ذهب فقهاء القانون وفي أوقات مبكرة مذاهب مختلفة خاصة في فرنسا اذ تناولته اسماء لامعة على صعيد الفقه القانوني والسياسي مثل روسو في عقده الاجتماعي وكوندورسه والوظيفة العامة والعميد دكي ومطوله في الفقه الدستوري وكاريه دمالبر وهمومه الانتخابية ودفرجيه ومؤسساته السياسية، والعديد من الاسماء الاخرى سواء كان ذلك داخل فرنسا او خارجها، فشكلوا تكوينا معرفيا مهما مساهما بشكل فاعل في موضوع الاقتراع السياسي والاثار المترتبة عليه. الا ان هذا الجهد النبيل توزع في تكييفات مختلفة لموضوع الانتخاب نأتي على اهمها وبالشكل التالي:

اولا – الانتخاب وظيفة اجتماعية – اصحاب هذا التكييف يقولون ان الافراد الناخبين يمارسون: “وظيفة” أو سلطة وظيفية باسم ولمصلحة الامة على اعتبار ان الامة كيان متميز عن الافراد الذين يشكلونه كما يقول العميد دكي. وهذه  الوظيفة توصف بانها وظيفة سياسية او اجتماعية، وحق الفرد هنا باعتباره عضوا في الامة ذات السيادة يساهم في التعبير عن ارادتها من خلال الوظيفة الانتخابية التي اقرها القانون. وهذا يعني ان هذه الوظيفة هي تكليف الناخبين باختيار ممثليهم. وهذا التكييف يعني ان الانتخاب ليس حقا بل هو وظيفة. ومن المعلوم ان للوظيفة احكامها ومنها الالتزام باداء الواجب (التكليف)، ومخالفة التكليف هذا تعني معصية المشرع، والمعصية هذه توجب الجزاء عند التخلف عن اداء الواجب الوظيفي الذي فرضه المشرع، وتيمنا بالتعريف العام  للقانون الذي يعرفه الفقه بانه: “مجموعة القواعد التي تقيم نظام المجتمع فتحكم سلوك الافراد وعلاقاتهم فيه، والتي تناط كفالة احترامها بما تملك السلطة العامة في المجتمع من قوة الجبر والالزام”.

ثانيا – الانتخاب حق شخصي-  : ان الافراد بعد ان غادروا “حالة الطبيعية” وتم النزوع نحو الدولة بمجتمعها المدني باعتبارهم اصحاب السلطة ف يعني ان السيادة التي تكون عليها الدولة مستمدة من سيادة الافراد المؤسسين لها كما يقول روسو. وهذا التوجه يعني ان الحرية ملازمة للطبيعة البشرية باعتباره عضوا في المجتمع الذي تشكلت منه الدولة. لذا لا يجوز تقييد او حرمان او الغاء تلك الحرية باعتبارها حقا اصيلا رافق الانسان من حالة الطبيعة واستمر مرافقا له في مرحلة الدولة وما للاخيرة غير التنظيم التشريعي له لاعتبارات تتعلق بالاهلية والسن الانتخابي. ولكونه حقا شخص فللانسان الحرية الكاملة للتعامل مع هذا الحق. فحق الملكية الدستوري يعطي للافراد حق تملك عقار، ومالك العقار هذا يخوله القانون حق بيعه او هبته او حتى ازالته او وقفه على جهة الخير. وهذا يعني انه في الحق الشخصي يكمن الخيار وليس الجبر، اي ان هذا الحق الشخصي يجيز لصاحبه ان يمارسه او ان يكف عن ممارسته اي انه ملك لصاحبه ومقرر لمصلحته.

ثالثا – الانتخاب سلطة يرسمها القانون-  : تذهب بعض الدول الى وضع احكام ونصوص في قوانينها الانتخابية تنزع نحو تغليب المصلحة العامة باعتبارها سلطة، وترد غالبا ضمن نصوص قانونية آمرة. والنصوص القانونية الآمرة لا يجوز مطلقا الاتفاق على ما يخالفها وان المشمولين باحكامها ليس لديهم مناص سوى طاعتها، اذ تفرض تلك القوانين والتشريعات الزامية الانتخاب للمشمولين باحكامه وذلك من خلال دعوتهم للاقتراع السياسي ليمارسوا اختيار ممثليهم باعتبار ذلك فرضا قانونيا. وكل من يخالف الالزام هذا يعرض نفسه للعقاب المرسومة احكامه في الفصول المحددة له والملحقة بقوانين الانتخابات تلك.

حق الانتخاب في التشريع العراقي: اختار المشرع العراقي – ضمن هذه التشكيلة المعرفية - موقفا قريبا من التشكيلة الواردة في البند ثانيا اعلاه اي (الانتخاب حق شخصي) مع الاقرار بالطبيعة الخاصة المتعلقة بالانتخابات. وبني عليه نص المادة 20 من الدستور التي تنص على أنه: “للمواطنين رجالا ونساء حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق السياسية، بما في ذلك حق التصويت والانتخاب والترشيح). وبهذا النص يكون المشرع العراقي مغادرا لموضوع الزامية الناخب وترك له شان المقاطعة لان كلمة (للمواطنين) تعني ان الناخب صاحب خيار، ان شاء اختار الذهاب الى الانتخاب، وان شاء امتنع ولو ان المشرع الدستوري اراد الالزام  - كما يقول البعض – لجاءت هذه الكلمة بالصيغة التالية: (على المواطنين ..) اذ ان حرف الجر هنا (على) يلقي على الناخب واجب الذهاب الى صناديق الاقتراع جبرا للادلاء بصوته. غير أن المشرع ترك حق التصويت والانتخاب والترشيح للمواطن ان شاء استعمله وان شاء ابى،  ذلك أنه في الاخير موقف سياسي يندرج تحت احكام حرية التعبير الواردة احكامه في (المادة 38 / اولا) من الدستور.

ولما كان الدستور قد ترك الخيار للمواطن، فان قانون الانتخابات رقم 9 لسنة 2020 المستند في احكامه على الدستور بيّن في الفصل الثامن منه الاحكام الجزائية المنصوص فيها على ما يجوز وما لا يجوز من الافعال. ولم نجد في هذا الفصل أي ينص يتعلق بالمقاطعة من ضمن احكامه او يتصدى لها> وهذا يعني ان المقاطعة هنا داخلة في دائرة المباح كونه استعمالh لحق مقرر دستوريا، وان استعمال الحق لا يعد فعلا مخالفا للقانون. وهذا ما نصت عليه المادة 41 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل، اذ جاء نصها بالشكل التالي: (لا جريمة اذا وقع الفعل استعمالا لحق مقرر بمقتضى القانون). ولو قيض للمشرع ان يمنع المقاطعة لنص عليها في صلب القانون باعتبارها فعلا مخالفا للقانون، ورسم عقوبتها أسوة بما ذهبت اليه قوانين اخرى في دول العالم المختلفة  كاستراليا وسويسرا والارجنتين، اذ تضمنت قوانينهم الانتخابية فرض غرامات على المتخلفين عن الادلاء باصواتهم. وحيث ان القانون العراقي جاء خاليا من اي نص قانوني يمنع المقاطعة او يعاقب عليها اذ لا جريمة ولا عقوبة الا بنص (المادة 19 / ثانيا) من الدستور فان هذا يعني ان المقاطعة تستقر في منطقة المباح قطعا لكونها تقع في دائرة الافعال المباحة.

عرض مقالات: