إن المشاركة في أو المقاطعة للانتخابات هما وجهان لعملة الديمقراطية السياسية، وتعتبر المقاطعة تعبيرا ديمقراطيا عن رفض الاستمرار بذات السياسة القديمة للقوى الحاكمة التي لم تستطع تجاوز الأزمة العامة التي تمر بها بلادنا، والتي صنعتها سياستها العشوائية على مختلف الاصعدة، ابتداء من سياسة اقتصاد السوق الحر المدمر وما خلفه من دمار وفوضى أوصلت البلاد إلى حافت الهاوية.

إن البرامج الانتخابية المكررة التي تطرحها الأحزاب المتنفذة منذ الانتخابات السابقة  (2005، 2010، 2014، 2018 )  و ما تطلق عليه من تسمية ( برنامج الإصلاح والتغيير)  لم يجد تطبيقه العملي  خلال الدورات الانتخابية السابقة، وظلت السجالات الفارغة و الخطب الرنانة و الخطط الوهمية عناوين ومانشيتات لوسائل الإعلام المختلفة خلال الدعاية الانتخابية، و لكن على صعيد الواقع  لم تنسجم  هذه الشعارات  والسياسات  مع الممارسات  العشوائية في مختلف الأصعدة، والأدهى أن البعض منهم ذهب  إلى  أبعد من ذلك في تشكيل أحزاب مدنية تتبنى شعار الدولة المدنية والعدالة الاجتماعية، في اعتقاد منه أنها قادرة على  احتواء الشارع السياسي وإفراغ الحراك الجماهيري من مضمونه الاجتماعي والسياسي، معتمدين على سياسة الترهيب والترغيب لكسب قوى الحراك  الجماهيري التشريني والقيام ببعض الإجراءات الجزئية في  ملفات الفساد التي لم تطل حيتان الفساد الحقيقية، ومحاولة  أظهار حيادها واستقلالها الشكلي عن تأثير القوى الاقليمية والدولية، والتنصل من مسؤوليتها عن جرائم الطرف الثالث وعصابات الاغتيالات والكواتم، في الوقت الذي تواصل سياسة أللا دولة التي تسيطر عليها المليشيات المنفلتة والسلاح المنفلت، وتجري حماية الفاسدين الذين يسيطرون على  دولة الظل التي أدت إلى انهيار البنية  التحتية للدولة العراقية وساهمت في إشاعة سياسة الفوضى واستشراء الفساد، وقد أهدرت هذه القوى الحاكمة منذ سقوط الدكتاتورية الفاشية مايقارب 1400 مليار دولار من مبالغ الميزانية ناهيك عن الخراب المادي والبشري الذي أحدثته بسبب الطائفية والفساد وفقدان البلاد آراضيها وثرواتها المادية والبشرية.

لقد أكد الحراك الجماهيري التشريني  أن هذه القوى تتحمل المسؤولية الأساسية عن الخراب والدمار الذي تعانيه بلادنا، و أن  الصراع الدائر اليوم هو صراع  بين القوى المتنفذة من جانب والجماهير الشعبية الكادحة المسحوقة من الجانب الأخر، وهو نتيجة  منطقية لسياسة هذه القوى في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية،  والتي أحدثت  اصطفافا طبقيا بات واضح المعالم على الصعيد الاجتماعي، حيث يمثل القوى المتنفذة  تحالف اجتماعي متمثل في تحالف البرجوازية الطفيلية والبرجوازية البيروقراطية المتحالفة مع الرأسمال الاحتكاري العالمي، ومن الجانب الآخر تقف ضد هذه السياسة جماهير الكادحين والشغيلة والمعدمين والطبقة الوسطى بجميع فئاتها الاجتماعية، والذي تمثله  كل القوى السياسية الوطنية والديمقراطية والشعبية وقوى المجتمع المدني  والتي يرى غالبيتها اليوم أهمية مقاطعة الانتخابات بعد تشريع قانون انتخابي جرى تفصيله على مقاسات القوى المتحاصصة، وبدأ المال السياسي ينفق بمئات الملايين لشراء اصوات الناخبين وشراء  صناديق الانتخابات  في ظل غياب الرقابة الحقيقية على العملية الانتخابية ووجود الكثير  من الثغرات المتعلقة بالعمليات اللوجستية وحرمان أربعة ملاين عراقي من المهجرين والمهاجرين خارج العراق من حق التصويت.

إن مقاطعة الانتخابات تصب في ذات الهدف المنشود للحراك الجماهيري الرامي إلى التغيير وإيجاد البديل السياسي لنظام لمحاصصة والفساد وكسر احتكارها للسلطة السياسية والذي تحاول تكريسه عبر القانون الانتخابي الجديد والذي يعتمد الهويات الطائفية والعشائرية الفرعية لإعادة إنتاج نظام المحاصصة. وتؤسس المقاطعة لوعي انتخابي جديد وتوجه ديمقراطي شعبي للنضال ضد سياسة الاستبداد والإقصاء وعدم الاعتراف بالآخر.

يذهب البعض من خلال التصريحات عبر وسائل الإعلام إلى اعتبار المقاطعة للانتخابات اصطفافا مع القوى المعادية للعملية السياسية الديمقراطية، وأن الديمقراطية الناشئة لا تتحمل المقاطعة وأنها تصب في مصلحة القوى المتنفذة التي روجت من قبل لمقاطعة الانتخابات لتحجيم المشاركة التي تصب في مصلحتها  وتضمن لها النتائج، ولكن أصحاب هذا الرأي لم يمعنوا جيدا في الخريطة السياسية الجديدة التي احدثتها أنتفاضة تشرين والتي كسرت معادلة هيمنة القوى المتنفذة وأنشأت معادلة جديدة غيرت الكثير من الوقائع وأوجدت اصطفافا جديدا على المستوى الاجتماعي والسياسي، اذا أحسن استخدام نتائجه سوف يساهم  في  تجاوز والتشتت  والانقسامات ولملمة الصفوف والارتفاع بمستوى  التنسيق والتعاون بين القوى الوطنية  الديمقراطية إلى العمل على توفير شروط  البديل الديمقراطي للتغيير.

وفي ظل الأوضاع التي تمر بها بلادنا يظل خيار المقاطعة رغم مخاطره المحدقة هو الخيار الأفضل الذي يعري قوى المحاصصة المتنفذة ويطعن بشرعية استمرارها في الحكم وفق النهج السابق ويؤمن التهيئة والتحضير للبديل الديمقراطي المنشود.

عرض مقالات: