أطل بخطاه المثقلة، لكن الواثقة، ليشارك في حفل محلية كربلاء السبت الماضي لتكريم نخبة من المبدعين.

دخل القاعة مهيباً، هذا الشيخ الجليل، الفتى الشيوعي الذي جاوز التسعين، وعقوده مليئة بالمثل الملهمة، والكفاح المضيء من أجل غايات ساميات، منذ تلك الأيام التي كان فيها، أواخر أربعينات القرن الماضي، سجينا مع الرفيق فهد وكوكبة من المناضلين الشيوعيين، وحتى أيامنا المثقلات بالألم، المنيرات بالتحدي. 

راية الفتى الشيوعي عبد الحميد الفرج دخلت القاعة تسبقه خفاقة في سماء كربلاء .. وطيفه الذي يمضي أمامنا، ينير درب المكافحين من أجل الوطن الحر والشعب السعيد .. هذا الطيف يجول في شوارع البلاد التي أقسم أن يغير مصائرها ويشيّد مستقبلها، مستقبل الفقراء، الذين ظل الطبيب الشيوعي القادم من سوق الشيوخ، إحدى القلاع الثائرة، الى كربلاء، رمز تحدي الظلم، يمنحهم يده وروحه الكريمة، ويرهف السمع الى نبضات قلوبهم بسماعته التي تلتقط المعاناة .. والحزن العميق.

هذا الحزن الممتد من دموع عشتار على تموز، ودموع زينب على الحسين، حتى نداءات الأمهات اللواتي يذيب نحيبهن الصخر وهن يندبن شهداءهن .. هذا الحزن هو الذي يشعل شرارات السخط في جموع تتعاظم مواكبها السائرة الى تلك الضفاف، وتتعالى أصواتها الصادحة بالاحتجاج والأمل، وهي ترفع راية عبد الحميد الفرج.

مازلت أتذكر كيف كان يقف، يوم الثامن عشر من نيسان عام 2014، وقد كنا معاً في موقع سجن نقرة السلمان، في ذلك المهرجان الحاشد لتكريم المناضلين السجناء القدامى، نتأمل ما تبقى من هذا الدليل الذي أهمله، عن قصد، طغاة بلادنا، خصوم الفكر النيّر، مرتعبين من تاريخ هذا الفكر وأمثولته .. كنا نصغي اليه وهو يحدثنا عن تلك الأيام، وعن الرفيق فهد، وصفحات من سير الشيوعيين في سجن السلمان.

يومها ألقيت كلمتي (زهرة السلمان) التي افتتحتها بالقول: “من المرجح أن غلوب باشا لم يكن يعرف شيئاً عن نخل السماوة، وتلك السمراء التي “طرّته” .. لا عن حيرة جلجامش الوجودية .. ولا عن الفرات الذي يزداد جمالاً كلما ازداد طغياناً .. ولا عن مفارقات هذه البلاد التي تنهض ما بين نهرين !

ومن المرجح، أيضاً، أنه لم يدر في خلد الجنرال الانجليزي أن الصحراء التي شيد فيها سجناً ما كانت تقوى على إلحاق هزيمة بزهرة في أرض السلمان !”

واختتمتها بالقول: “نحن الشيوعيين .. نحن السعاة الى تحطيم السجون، كل السجون، تمهيداً لتغيير الحياة عبر الاطاحة بعالم الاستغلال، وإقامة العدالة الحقيقية على أنقاض سجون رأس المال ..

ما من مجد يليق بنا أسمى من نخل السماوة ..

ما من تراتيل ننشدها أعذب من تراتيل الوركاء ..

ما من زهرة نحتفظ بها أجمل من زهرة السلمان ..

نحن الذين نخسر أغلالنا لنكسب عالماً بأسره ..”

اليوم، أهدي زهرة السلمان للفتى الشيوعي الذي جاوز التسعين، وهو يدخل جليلاً، مهيباً، الى قاعة الاحتفال، محاطا بحنو رفاقه وتلامذته..

اليوم، نناديه من جديد: تظل، أيها المعلم الشيوعي، منارا نهتدي به .. ونظل، نحن تلامذتك المخلصين، نرفع عاليا الراية التي لا تنتكس: راية عبد الحميد الفرج !

عرض مقالات: