مرة، وفي ليل دامس غزير المطر، زمهرير البرد، كنا أطفالا نتغطى أنا واخوتي بغطاء واحد في المضيف الطيني الذي يقع في أنف البيت المكون من ثلاث غرف وكنا نسميها “طياني”، وطارمة مفتوحة على الشرق أملا في الصباح كنا نحمي بها الأبقار، حتى كنا على طول السنة نعيش وحدة وجودية معها، ففي أنوفنا روائحها وفي آذاننا خوارها. 

في تلك الليلة تم ايقاظنا ونقلنا تحت زخات مطر قاسية تمثل سلطة الشتاء إلى طينية باردة وبعيدة يسيل المطر من جهاتها الأربع .. تخر، وحينما سألنا عن السبب قالوا: الشيوعيون يجتمعون. إنه المجاز الأول الذي تعلمت منه إن الفكر والمبدأ هما أكبر المعاني، ويعدان مجازا في البرد والمطر صوب الصحو والدفء والأمل.  

مرة، تم تطويق بيتنا فقامت أمي، خشية من كتب الشيوعيين وأوراقهم المحملة أدبيات الخلاص من الظلم والاستعباد والامتهان لوجود الانسان، برمي كل “كارات الاوراق” من النافذة الطينية “الرازونة”، فكأنها قد سقطت أمام الشرطة التي تطوق البيت فجرا، وحينما فرحوا باللقية هذه وقاموا بفتح الصرة أو الكارة، وجدوها أوراق تسديد سلف زراعية وهويات أحوال مدنية وأوراق تمليك الأرض وهذا مايعد مجازا في الأوراق. 

مرة، وحينما كان أبي يذهب بانتظام لاجتماعات الخلايا كانت تعترضه مجموعة كلاب شرسة وكان من شدة التحامها وتقربها للفتك به يلقم بندقيته الكسر طلقة تحاشيا لما قد يصيبه منها، وقد تكرر هذا الحال مرارا؛ لكن في يوم مر أبي دون أن تنبحه تلك الكلاب فأجال بنظره شمالا وجنوبا، لكن في استعجاله لاستكمال واجبه الحزبي لم يدقق بالأمر طويلا، في العودة وجد استمرارا للهدوء الحذر؛ ولكونه كان مستغربا ظل يدقق بالمكان واذا ببيت من الشَعر قد بُنِي حديثا وله كلاب شرسة ايضا.. من هنا كان الهدوء، دائما ما يسوقه أبي مثلا للتوازن الدولي الذي في ظله حصل انتعاش الدول النامية، وهذا مجاز آخر من الواقع الحسي إلى الذهني السياسي.

مرة التقيت بشخصية سياسية بعد التغيير في مجلس المحافظة وقد تعارفنا انا وهو ابتداء من ذكر عمه الذي كان قياديا شيوعيا وكادرا تخرج من معهد لينين للفلسفة. ولأني ذكرته بعمه الشيوعي وأمام محفل يغص بالمتزلفين ممسوخي الهوية والوجود، قال لي: ماذا جنينا من الحزب الشيوعي، قدمت إلى دار المعلمين فلم أقبل، إلى الكلية العسكرية فلم أقبل، فقلت له:  انت الآن رئيس مجلس أحد الاقضية لو كنت بعثيا لكنت مجتثا الآن ؛ وأمام تندر زملائه قلت له أيضا: الشيوعية بصمة في الزمن وقفت ضد الاستعمار وضد الاقطاع وضد الفاشية والجهوية والعنصرية وظلت وطنية لهذا اليوم، وهذا مجاز آخر في المواقف بين الثبات وبين التحول الانتهازي.

عرض مقالات: