أثار مقطع درامي قصير لممثل سوداني حفيظة المجموعات النسوية التي كانت بدأت للتو تتنفس الصعداء في أعقاب إجازة مجلس الوزراء السوداني لاتفاقية “سيداو” في نيسان الماضي، مع التحفظ على بعض البنود، والتي تتحفظ عليها أغلب الدول الإسلامية.

المقطع الذي لم يتعدَّ بضع دقائق، جاء متوافقاً مع هوى المعارضين للاتفاقية، إذ مارس الممثل تضليلاً واضحاً استهدف به بعض بنودها، التي حاول المقطع الدرامي إيصال رسالة أنها متعارضة مع الدين الإسلامي والأعراف السودانية، وأنها تحضّ النساء على الخروج على الحدود الدينية والاجتماعية لمنظومة الأخلاق.

خلال ساعات معدودة، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي لمعسكرين، مع وضد، واحتفى على نحو لافت مناهضو الاتفاقية، من الرجال تحديداً، بالمقطع الدرامي، وعلقوا صورة الممثل على ملفاتهم الشخصية. وامتدت المعركة لتفعيل وسم يدعم هذا المقطع الدرامي. بالمقابل يعتقد على نطاق واسع وسط المجموعات النسوية أن هذا المقطع الذي بث على قنوات مواقع التواصل الاجتماعي لم يكن محض تفاعل عفوي بين الدراما وقضايا المجتمع، بقدر ما كان أداة داعمة للخط المناوئ للاتفاقية، والذي يتصدره إسلاميون ومناصرون للنظام البائد، وإن كانت هناك مجموعات غير منتمية ترفض الاتفاقية، إلا أن المعركة تحولت من “حقوقية” إلى “سياسية” بامتياز.

معركة المقطع الدرامي هي امتداد لمعركة استعرت قبل إعلان مجلس الوزراء إجازته لـ”اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة” وحققت فيها الحركة النسوية انتصاراً كاسحاً، موظفة في ذلك حملات الدعم والتضامن في مواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت في السودان مؤخراً إلى ميدان لحسم كثير من المواقف الرسمية تجاه قضايا محددة.

في خضم الحراك النسوي برز السؤال المتجدد: هل حققت “ثورة ديسمبر” للمرأة مطالبها؟ المعلوم والثابت، والذي كان مثار نقاش في الوقت نفسه على الدوام، هو المشاركة النسائية الواسعة في مواكب واحتجاجات السودان التي انتهت إلى الإطاحة بنظام البشير بعد ثلاثين عاماً من الحكم الديكتاتوري. هذه المشاركة الواسعة لم تكن قاصرة على الفعل الثانوي في العمل التنظيمي والثوري، بل كانت في الفعل الأساسي الذي تخطى الدور التقليدي للمرأة. لكن وعلى الرغم من ذلك، فإن المشاركة في مستويات الحكم الانتقالي جاءت متواضعة، وحتى النسبة الضئيلة التي تم التوافق حولها جاءت بشق الأنفس. ولذلك أسبابه المتمثلة في تقديم الأحزاب والكتل المشكلة للتحالف الحاكم قوائم ذكورية محضة، ذلك بسبب قلة الكادر النسائي أو “نقص التأهيل”، وفقاً للحجة التي طرحت من قبلهم.

كرست الثلاثون عاماً الماضية في السودان تمييزاً حاداً ضد النساء، إذ أسقطت الحركة الإسلامية الحاكمة أيديولوجيتها على كافة مناحي الحياة الاجتماعية، وابتدع النظام الذي حكم السودان في هذه الفترة قوانين اعتبرها مستقاةً من الشريعة الإسلامية تحولت لأداة قهر للسودانيين عموماً وللنساء على نحو خاص.

هذا الواقع المؤسَّس بقوانين تأخذ قدسيتها من رجال دين موالين للنظام، كان له أثر بالغ في تفعيل المقاومة النسائية ضد الإسلام السياسي، وظهر جلياً في “ثورة ديسمبر” التي أزاحت حكم “الإنقاذ” في نيسان 2019، حيث كانت مشاركة النساء الواسعة في الاحتجاجات. الحركة النسوية في السودان ذات تاريخ قوي وعريق. فقد كانت الشيوعية البارزة فاطمة أحمد إبراهيم أول نائبة برلمانية في السودان وربما المنطقة، وخاضت معارك حقوقية ضارية من داخل البرلمان في ستينيات القرن الماضي، وشكلت مع رفيقاتها اللبنة الأولى للحركة النسوية، التي كان لتعليم النساء الذي بدأ عام 1907 أثر فاعل فيها. وبدأت الكيانات والتنظيمات النسوية تتشكل بجانب الحركة الوطنية التحررية قبل الاستقلال، ونشطت كذلك في التنظيمات النقابية، مما كان له الأثر في الحركة السياسية ككل.

بعد مفاصلة الإسلاميين الشهيرة في العام 1999، والتي قادت إلى نشوء تيارين إسلاميين، أحدهما حاكم بقيادة عمر البشير، بينما كان يقود الآخر عرّاب الحركة الإسلامية، حسن الترابي، الذي تحول إلى خانة المعارضة، انخرط هذا الأخير طيلة فترة المعارضة في طرح فقه تجديدي، كان للمرأة فيه النصيب الأوفر، وأصدر الرجل المثير للجدل فتاوى عديدة تعطي المرأة مساواة مع الرجل في نواح عدة.

وطيلة الفترة الماضية التي شهدت صعوداً لقضية المرأة في المشهد العام، لم يكن هناك بالمقابل إصلاح قانوني أو تشريعات تحتضن هذه الإصلاحات، ولم تخرج قضايا المرأة من ساحة التنافس السياسي إلا بعد “ثورة ديسمبر”. لكن قبيل سقوط البشير، كان قد أعلن عن حوار وطني لكافة القوى السياسية – التي استجاب أغلبها للحوار، وعلى رأسهم “حزب المؤتمر الشعبي” الذي يتزعمه الترابي. وطرح الحزب في الحوار ما عرف بـ “ورقة الحريات” التي حوت إصلاحات دينية جريئة ... غير أن الأمر انتهى برفضها بالجملة.

والغريب اليوم، أن من بين أبرز المناهضين لاتفاقية “سيداو” والحركة التحررية للمرأة بعد الثورة، هم أنصار الترابي الذين أيدوا في وقت سابق ما تتحفظ عليه حكومة السودان حالياً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كاتبة صحافية من السودان

السفير العربي – 5 حزيران 2021 (مقتطفات)