اثبتت الفعاليات الاحتجاجية خلال الفترة 2011 - 2021 واكدت الشواهد التاريخية والاحداث الجارية والتحليلات الاكاديمية والسياسية، على أهمية دور الشباب في صناعة الأحداث الكبرى وبالتالي الحياة العامة، لكننا لا نجد أي تأثير للشباب في صناعة القرار السياسي او أي مساهمة منهم في المناصب الحكومية المهمة، وغاب تماماً دورهم او ممثلهم في مجلس النواب والجهات القطاعية الحكومية التي ترعى هذه الشريحة. وأسباب ذلك كثيرة، في مقدمتها عدم وجود رؤية واضحة المعالم، توحّد الصوت الشبابي الذي يقدم ولا يجني.

غياب تمثيل للشباب

ويقع على عاتق القوى السياسية، وبالخصوص المتنفذة منها، وكذلك الطغمة الفاسدة، الدور الأكبر في تغييب دور الشباب، من خلال التعمد في تشتيت القوى الشبابية ومنعهم من الاتفاق على المشتركات وترك الخلافات، وتجد ذلك في نصوص الدستور، وحتى في القوانين النافذة، مروراً بتنفيذ الفعاليات السياسية المختلفة.

فالدستور رفع سن المترشحين إلى المناصب الحكومية “رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء (المادة 68 ثانياً: كامل الأهلية وأتم الأربعين سنةً من عمره، المادة 77 أولاً: يشترط في رئيس مجلس الوزراء ما يشترط في رئيس الجمهورية، وأن يكون حائزاً الشهادة الجامعية أو ما يعادلها، وأتم الخامسة والثلاثين سنةً من عمره).

بينما غاب في التشريعات العراقية منذ تأسيس مجلس النواب، القوانين التي تصب في مصلحتهم (قانون الاتحادات والمنظمات الطلابية والشبابية، قوانين تدعم الرياضة والثقافة والتعليم والعمل)، وأبقى المتنفذون عمر المرشح إلى مجلس النواب فوق “25 عاماً” ناهيك عن الصعوبات الأخرى التي تواجه المرشحين الشباب في منافسة حيتان الفساد.

ونجد أن ممثلة الشاب في الحكومة “وزارة الشباب والرياضة”، همهما الأوحد هو “كرة القدم والقليل من الرياضات الأخرى”، التي دخلت المنافسة السياسية فيها وكذلك حيتان الفساد وحتى المحاصصة الطائفية والحزبية الضيقة، مع الأخذ بنظر الاعتبار وجود مجموعة كبيرة من المنتديات الشبابية المنتشرة في عموم العراق، لكنها معطلة، والأغرب، ان الشباب لا يقود في هذه الوزارة المهمة. وينسحب هذا الكلام على دور وزارات التربية والتعليم وكذلك الثقافة.

إن القوى السياسية المتنفذة وخصوصاً التي تمتلك المال والسلاح تواصل العمل على تشتيت جهود الشباب لتُقصيهم عن المشاركة في الحياة السياسية العامة من خلال إشاعة التفرقة الطائفية وعسكرتهم وحرمانهم من حق العيش بكرامة، وحق التعبير عن الرأي، وهذا ما حدث في انتفاضة تشرين، بل إنها استخدمت الطاقات الشبابية لتنفيذ أجنداتها المتخلفة.

ومع مجمل تلك المصدات التي تواجه الشباب هناك عوامل أخرى، جعلتهم يتخلفون عن الركب، ومنها الوضع الاجتماعي السيئ والتردي الاقتصادي وتراجع دور الثقافة والتعليم، وضعف إمكانيات القوى المدنية والديمقراطية الحاضنة الرئيسية لجموع الشاب والرافعة لهمومهم والمتبنية لمشاريعهم.

ولم تنصف الموازنات السنوية “الانفجارية” الشباب، بل سعت إلى تكريس الطائفية والتمايز بينهم، وعملت على خلق جيل واسع متكاسل، اتكالي، لا يسعى سوى إلى الراتب الحكومي. لذا فتح باب التعيينات بصورة واسعة ولمن؟ التعيينات الحكومية جرى حصرها بالفاسدين من القوى السياسية الذين بدورهم وظفوا المنتسبين لأحزابهم والمقربين منهم، فتوسع الجهاز البيروقراطي للدولة، وأصبح هم الشباب إما الحصول على وظيفة، وإن كانت غير مناسبة في جهاز الدولة أو التطوع في صفوف القوات الأمنية للغرض ذاته، وهو الحصول على راتب ثابت. وغابت التنمية البشرية والإحصاءات والدراسات وتوظيف الخبرات، وقلت موارد التعليم والثقافة والرياضة، ما أسهم في خلق جيش واسع من العاطلين عن العمل.

موازنة 2021 مثلاً (الدفاع والداخلية 757 مليارا، الشباب والرياضة 22 مليارا، الثقافة 10 مليارات، التعليم 81 مليارا، التربية 172 مليارا، الصناعة 33 مليارا، الزراعة 43 مليارا). ومن هذه الأرقام تلاحظ كيف أن الحكومة ومن يقودها من القوى السياسية المتنفذة.. تتحكم بالريع ولمن توجهه. وبالتالي يخسر العراق بسبب ذلك طاقات إبداعية تفوق ما يستخرج من المورد النفطي، لو جرى توظفيها بصورة صحيحة.

دور الشباب وعمقهم الاجتماعي

بعد أن توفرت وسائل التواصل الاجتماعي في كل بيت، صار التواصل أسهل بين الشرائح الشباب المختلفة، وتبادلوا الخبرات وتنوعت الثقافة واطلع الآخرون على آراء المختلفين معهم، فأدى ذلك إلى شيء من الانسجام.

وحاول الشباب طيلة الفترة الماضية، ومن يمثلهم أو النشطاء منهم ـ بروح التحدي والصمود وببطولة غير معهودة ـ إبراز الدور الريادي في التصدي لعراقيل منعهم من التعبير عن رأيهم سياسياً في مناسبات مختلفة. بدأت في الهبة الجماهيرية الشبابية الكبرى في شباط 2011 بعد النجاح الكبير والواسع لشبيبة المنطقة العربية في كسر حاجز الخوف والخروج إلى الشوارع وتحدي السلطات الدكتاتورية الجاثمة على الصدور في تونس ومصر وغيرها.

حينها تحققت بعض الغايات ومنها اسقاط الحكومات في تلك البلدان، بالرغم من المساعي الخبيثة للقوى السياسية هناك والتدخلات الأجنبية لحماية الأنظمة المتعاونة من الدول الراعية لهم، لكن التجربة في العراق تأخر نجاحها، بعد تعاون قوى الشر وطغمة الفساد على اثباط العزيمة واللعب على الأوراق التي كشفت لاحقاً بحجج حماية التجربة الحديثة، وتعرقل تحقيق الإصلاح اثر الهجمة المضادة في استخدام أساليب الخطف والاعتقال والتغييب، وكذلك القتل العمد وقطع الطرق والانترنت واستخدام جميع الإمكانيات الحكومية والحزبية لصد الحركة الاحتجاجية، مع الدعم الواسع من الفعاليات السياسية والدينية والعشائرية لمنع انتشار ظاهرة الاحتجاج، ما أدى إلى تراجع الحركة الاحتجاجية الشبابية حينها، لكنها بقيت مستمرة؛ اذ استمرت الفعاليات الاحتجاجية بمعدل يومي، وحملت هذه الحركة مطالب مختلفة.

إبان تلك الفترة انتعشت الحركة الشبابية العراقية، ونما تفكيرهم وعمقهم الاجتماعي. وبعد أن التفتت القوى السياسية إلى جهودهم وامكانياتهم، وبالتالي أصبح من غير المعقول إهمال هذا الوسط الكبير. وهنا سعت هذه القوى الى تعزيز صفوفها بخيرة الشباب العراقي الواعي. وحينها اشتغل الكثير منهم في مجالات مختلفة (الانضمام للأحزاب، الاشتراك في منظمات المجتمع المدني والاتحادات الشبابية، تشكيل فرق والاشتراك في النقابات وغيرها) حتى وصل الحال إلى رفع الصوت باتجاه أن يتبوأ الشباب مناصب حكومية وحزبية، لكن الحركة لم تتوحد بالطريقة التي يمكنها أن تقود نفسها بنفسها، وبالتالي غابت فرصة حقيقية للنهوض بهذا القطاع.

ونتيجة لصعود الحركة الاحتجاجية، وتقاعس القوى الحاكمة عن الاستجابة لمطالبها، أصبح حضور التيار المدني واضحاً. وحينها اكتظت الساحات العامة بمختلف الفعاليات الشبابية المدنية كان أبرزها مهرجانات القراءة ويوم السلام العالمي وحملة وزارات بلا محاصصة، ورفض منح أعضاء مجلس النواب راتبا تقاعديا.. وغيرها.

انتعشت القوى المدنية في عموم العراق وتكلل ذلك في فوز التحالف المدني بثلاثة مقاعد في مجلس النواب، سبقها حصول القوى المدنية على عشرة مقاعد في مجالس محافظات مختلفة، ما أثار حفيظة القوى الماسكة بالسلطة، وعملوا على عرقلة حصول هذه القوى على تمثيلها الحقيقي من خلال إعادة تشريع قانون الانتخابات بطريقة تضمن عدم فوزهم.

حاضرون في الشدائد.. مغيبون في الامتيازات

لم تترك قوى المحاصصة الطائفية فرصة الا وعملت فيها بتأجيج الوضع الطائفي منذ تغيير النظام الصدامي في العام 2003، كون المحاصصة هي السد المنيع الحامي لهذه القوى من محاسبة الشعب وغضبه. ولم يرق لها تلاشي دورها شيئاً فشيئاً، لذلك أصبح الخطاب الطائفي هو السائد مع محاولة اللعب على أذهان الناس من خلال تشكيل أحزاب مرادفة لأحزاب طائفية تدعي أنها تمثل القوى المدنية.

ونتيجة لبقاء صوت التخلف واستشراء الفساد واستمرار تقاسم المناصب بطريقة التحاصص وادامة الصراع على النفوذ والسلطة، سقطت مدينة الموصل ومدن أخرى بيد التنظيمات الإرهابية، سبقها الكثير من المشاكل الأمنية والصراع الطائفي الدموي.

هنا وقع الجهد الأكبر على الشباب في استعادة ما سلمته القوى المتحاصصة للإرهاب، إذ رخصت الدماء لأجل الوطن، فهبت الجموع الشبابية لتلبية نداء العراق، وبالتالي سجلوا أروع معاني البطولة والفداء في تحرير الأرض مع توجيه صفعة جديدة إلى القوى الطائفية التي سعت لتقسيم البلاد. وهنا ايضاً سجلت قيادات هذه القوى الانتصار لحسابها الضيق.

في موازاة ذلك، وبعد شعور الشباب بالحرمان ولغياب العدالة الاجتماعية، هبت الجماهير الشبابية في حركة احتجاجية واسعة بالكثير من المحافظات في تموز 2015، ما ساهم في خلق وعي شعبي واسع بأهمية إزاحة القوى الطائفية الماسكة بالسلطة وإصلاح النظام السياسي وتوفير الخدمات، وحققت هذه الحركة الكثير من أهدافها المرجوة بالرغم من محاولات تشتيتها وكذلك القمع الدموي الذي لحق بها، وهنا أصبح التوجه للشباب بصورة أكبر عن الوقت السابق.

أدى استمرار الأسباب التي دعت الشباب إلى الاحتجاج في تموز 2015 وتفاقمها، إلى توهج شرارة انتفاضة تشرين في تشرين 2019 ولعب الشباب دوراً تاريخياً في هذه الانتفاضة، نستطيع القول إنه فاجأ الجميع وإنه سوف يدرس للأجيال القادمة، وفي تطورات الانتفاضة رفع المعتصمون أهدافا وشعارات ممكنة التحقيق، وتحت هذا الضغط الجماهيري العارم والفعاليات الاحتجاجية المتنوعة اضطرت القوى الحاكمة إلى الاستجابة لمطالب الانتفاضة، ولو على حساب خسارتهم المؤقتة فقدمت الحكومة استقالتها، وجرى القبول بإجراء الانتخابات المبكرة.

ولكن العقل الثعلبي الماكر والخوف من خسارة النفوذ والسلطة جعل القوى التي تختلف على كل شيء، تتفق هذه المرة من أجل وأد الانتفاضة واخماد عنفوانها عبر سلسلة من الإجراءات القمعية، منها كانت القتل والخطف والتغييب والاعتقال التعسفي والتهديد وغيرها. اما الإجراءات السياسية فكان منها تأخر تشكيل حكومة مؤقتة ذات صلاحيات استثنائية واسعة، وتشريع قانون انتخابات عكس ما طالب به المنتفضون. وعدم الكشف عن قاتلي المنتفضين ومن يدعمهم. ولم تجر محاسبة الفاسدين وطردهم واستعادة الأموال التي نهبوها، وعملت هذه القوى الحاكمة على تأخير أي اجراء من شأنه أن يحقق اجراء الانتخابات المبكرة بصورة شفافة وعادلة ونزيهة، بما يضمن وصول الشباب إلى مجلس النواب وصعود الممثلين الحقيقيين لقوى الانتفاضة والجماهير الرافضة لنظام المحاصصة.

هل الشباب مجاميع مشتتة؟

تمكنت القوى المتنفذة مع كل الأسف من وضع موطئ قدم لها بين صفوف المنتفضين، واشترت ذمما رخيصة لشباب غير واعين لخطورة المرحلة. وانتجت القوى المحاصصاتية أحزابا وتكتلات تدعي تمثيلها لحركة الاحتجاج وانتفاضة تشرين، في مقابل رفض غير مبرر من الشباب المنتفض للعمل الحزبي والتنسيق المشترك على الأهداف، بحجة أن جميع الأحزاب العراقية فاسدة وهذا غير دقيق وايضاً ناتج عن معلومات مضللة، مررتها القوى المتنفذة كي تبقى الساحة لها وحدها.

لقد جاء تشكيل الأحزاب الشبابية أو الانضمام للقوى السياسية الداعمة للانتفاضة بصورة متأخرة ومع وجود الكثير من العراقيل أمام تشكيل أحزاب شبابية، أبرزها توفير الأموال المقررة لتشكيل الحزب. وكذلك قانون الانتخابات الذي يحصر المنافسة بين القوى الماسكة بالسلطة.

تكون عدد من التنظيمات السياسية الشبابية، وهي تسعى حالياً إلى المنافسة وبناء بديل سياسي عن القوى المتنفذة. هذا لا يعني ضرورة تشكيل أحزاب كثيرة للشباب لغرض التمثيل، كون الاحزاب المدنية والديمقراطية، حاملة مشروع التغيير موجودة. ويمكن لها في حال التفت الجماهير حولها أن تحقق اهداف الانتفاضة، لكن هل يمكن ان يتحقق ما يصبو اليه هؤلاء الشباب، في تحقيق شعار انتفاضتهم “نريد وطن”؟ وهل يمكن التعويل على هذه القوى في عملية التغيير؟

من الناحية النظرية فإن هذا ممكن في حال تحققت الشروط التي وضعها المنتفضون لإجراء الانتخابات المبكرة وهي على شقين (سياسي واداري) وتتضمن “الكشف عن قتلة المتظاهرين ومن يقف خلفهم ومحاكمتهم، معاقبة مرتكبي جرائم الفساد السياسي والإداري والبدء بالكبار منهم، تشكيل مفوضية انتخابات مستقلة حقاً وفعلاً، تعديل قانون الانتخابات بما يضمن مشاركة سياسية واسعة، تفعيل قانون الأحزاب ومنع القوى التي تملتك اذرعا مسلحة من خوض الانتخابات، حصر السلاح بيد القوات الأمنية الرسمية، مراقبة العملية الانتخابية بصورة كاملة، أما الإجراءات الإدارية فتتعلق بتوزيع البطاقة البايومترية لكل الناخبين واطلاق حملة واسعة لأهمية المشاركة في الانتخابات، وتوفير مراكز انتخابية قريبة من الناخبين، وتوظيف عاملين في المفوضية من القادرين على إدارة العملية الانتخابية بصورة شفافة، واعلان النتائج بوقت مناسب ومبكر. واضيف لهذه المطالب مؤخراً توفير الامن الانتخابي.

هل سيحقق الشباب حضورهم؟

المعطيات تؤكد أن القوى الفاسدة المتنفذة، تسيطر على جميع مفاصل الدولة، وهي بالتالي لا تنوي ترك المغانم والنفوذ لصالح قوى سياسية جديدة تعمل على ازاحتها وتقديم نظام سياسي جديد، وتمتلك هذه القوى مقومات تؤهلها لأن تعيد انتاج نفسها مرة أخرى، بل هي تستطيع أن تتصدر المشهد الانتخابي كونها استعدت مبكرة لهذه المعركة الانتخابية عبر استخدام وسائل مختلفة، أبزرها تكييف قانون الانتخابات بصورة مناسبة جداً مع نفوذها الجماهيري، إضافة إلى البدء بالتصعيد السياسي الطائفي، واستغلال كل ما يمكن استغلاله لتأجيج ذلك، مع الحملة الأخيرة للتصفيات السياسية والاغتيالات المنظمة، وهي التي لا تزال تمتلك المال السياسي والإعلام الواسع والجيوش الالكترونية مع السلاح غير الرسمي، ناهيك عن حضورها الأكيد في مفوضية الانتخابات.

وتشير المعطيات إلى أن الانتخابات هذه المرة لن تجري بصورة سلمية وهادئة، بل هي ستكون معركة بالمعنى الحقيقي، وبالتالي فإن أي قوة سياسية جديدة طامحة للتغيير، ستكون منافستها صعبة، ويمكن ان تكون مستحيلة، هذا لا يعنى انها لن تحقق حضوراً في مجلس النواب، والسؤال: ما هو تأثير ذلك امام الحيتان الكبيرة “ولو اني لا أحبذ استخدام كلمة الحوت كوني اعتبره حيوانا لطيفا”.

الانتخابات وسيلة تحقق الغاية، ولكن؟

أعتقد أنّ أي مشاركة غير مؤثرة في مجلس النواب، لن تحقق الطموح الذي ترغب فيه القوى الشبابية المنتفضة، وبالتالي سيعود الوضع إلى ما هو عليه مع سيطرة القوى المعادية لطموح الشعب وتطلعاته، بل أن المعطيات تشير إلى صعوبة المرحلة المقبلة، مع استمرار تدهور الوضع الاقتصادي وغياب خطط تجاوز الازمة.

ما هو البديل؟

من المناسب هنا الإشارة إلى أن أسباب اندلاع انتفاضة تشرين لم تنته، بل تفاقمت وزاد الوضع سوءا. كما أن ما قبل تشرين لن يكون كما بعدها ليس من الناحية السياسية فحسب بل هذا يشمل الوضع الأمني والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

وفي هذه الفترة وبعد نمو نشاط فرق الموت المنظمة واستمرار تغييب الناشطين ونمو دور المليشيات وقوى اللا دولة مع ضعف الإجراءات الحكومية واستمرار الإفلات من العقاب وتواصل القمع الحكومي للمحتجين، توجّه الكثير من الشباب الى اعلان مقاطعة الانتخابات او تعليق المشاركة فيها، للضغط على الحكومة والجهات المعنية من اجل توفير الشروط المعلن عنها.

ولأن الانتخابات هذه المرة تختلف عن السابقة، فهي تأتي في وقت حرج جداً، وبعد انتفاضة جبارة، وعلى واقع رغبة شعبية واسعة للتغيير، فإن هذا الموقف هو فعل سياسي إيجابي، وهو شكل من اشكال الضغط الشعبي لتحقيق الأهداف المطلوبة. والمقاطعة في حال اللجوء اليها، فهي لا تسعى الى الغاء العملية الانتخابية، بل هي تهدف الى بناء أرضية لتغيير سياسي من اجل ان تكون الانتخابات ديمقراطية حقيقية.

ففي حال استمر الوضع كما هو عليه، وجميع الإشارات تدل على ذلك، فإن البديل في هذه الحالة عن الانتخابات هو الاحتجاج السلمي الجماهيري الواسع الذي يفرض معطيات سياسية جديدة، تكون قاعدة أساسية لبناء الديمقراطية السلمية، وإعادة تكوين الدولة المدنية الديمقراطية على قاعدة العدالة الاجتماعية.

واذا حدثت المعجزات، وحدث ما لا يمكن ان نتوقعه، فيجب السعي الى حملة واسعة وكبيرة بشرط أن تكون مؤثرة لمنع وصول الطغمة الحاكمة مجدداً إلى مجلس النواب، تبدأ فوراً وأن يخطط لها بمسارين؛ أولهما ان تشجع الحملة على مشاركة واسعة لانتخاب البديل الحقيقي من القوى السياسية المدنية الديمقراطية، وتلك المنبثقة عن انتفاضة تشرين، وهنا سوف يجري عزل القوى السياسية التي ساهمت في نهب المال والثروة وتفشي الفساد عن عموم الشعب العراقي ما يعني بالضرورة القيام بخطوات أخرى تحقق العيش الكريم للمواطن، وتحقق له مشاركة سياسية حقيقية.

عرض مقالات: