عندما أريد أن أتكلم عن حياة الإنسان يجب أن أتطرق إلى حقبة الماضي  و ما فيها و حقبة الحاضر و ما عليها، ومن هذه الحلقتين أستطيع أن أتكلم و أعلق استناداً إلى كلام الناس الذين عاشوا في هذه الفترة الطويلة و التي تسمى زمن الماضي الجميل، و على قول أحدهم الذين عاشوا تلك الفترة، نحن عشنا ذلك الزمن رغم الفقر و الفاقة إلا أن حياتنا كانت جميلة و سعيدة و كانت الحياة بين الناس متساوية في كل متطلبات المعيشة، الأمن و الاستقرار المجتمعي يجعل الفرد أن يترك باب منزله مفتوحا إلى الصباح و كأن الحياء و الخجل سمة كل فرد ناهيك عن العلاقات الإنسانية الكبيرة بين العوائل و العشائر و سيطرة القانون الذي جعل الناس سواسية تحت طائلة ذلك القانون، رغم تلك الظروف و العيشة البسيطة كان الفرد يتطلع إلى التقدم و الكفاح نحو التعلم و الانخراط في المعاهد و الجامعات العلمية ومن خلال هذه تخرج العلماء و الأطباء و المهندسون و المعلمون و الأدباء والكتاب و الشعراء و الفنانون.

أما مخاوف الإنسان الآن والعوائق والتراكم في داخله يوما بعد يوم، وتغير مسار حياته دون أن يدرك، فلا الإنكار ينهي صراعه، ولا تجاهل الخوف يخلق فيه الشجاعة، على العكس تماماً كلما أجل مواجهة خوفه أو فهمه على أقل تقدير، فإن العتق منه ومن تبعاته يكون أصعب، ويفقد معها فرصا ثمينة قد تكون منعطفاً يغير مساره ويأخذه إلى أجمل الأقدار وألطف الفرص.

على سبيل المثال في العلاقات الإنسانية بكل أشكالها، أول مخاوف الإنسان هو الخوف من الرفض، لأنه رُفض تشظي وتحطم، بغض النظر عن درجة الرفض، حادة كانت أو ناعمة، إلا أنه يبقى خوفاً يخالطه الخجل وتقديس الكبرياء.

والخوف من الرفض مخيف عند الإنسان في كل مراحله العمرية مهما صغر أو كبر.

لا بد أن أعرج على بعض الأمور التي نعيشها اليوم وهي حالة في غاية الخطورة في حياة الإنسان المعاصر أقصد الزمن الذي نعيشه وأخص الشباب الذي تاه بين الرفض والقبول في الحالة التي يعيشها منها.. الزواج والطلاق.. قد تلاحظ أحدهم وهو محبط ومجروح ومنهمك، لأن علاقته صادفت إغلاق الباب وابتعاد الشريك، والنتيجة يجنح للغضب، وينقلب حالهُ وقد يصبح عدوانياً، كل ذلك لأنه رُفض، وهنا يلعب غرور الإنسان لعبته، ويخيل إليه أن هذا الرفض سبب كافٍ لتدمير ما بقي من العلاقة، وهذا دارج كثيراً في الطلاق خصوصاً، لذا ينقلب حال الشركاء، ومن بعد العشرة والإحسان بات العداء سيد الموقف بل قد يصل الموقف إلى نوايا الانتقام، وهذا ما يحصل الآن أي في هذا الزمان.

يحدث الرفض الاجتماعي عندما يتم استبعاد متعمد لفرد من علاقة اجتماعية أو التفاعل الاجتماعي لأسباب اجتماعية. وهي الحالة النفسية المتوترة المنتشرة بين الناس متساوية في كل الأعمار بحيث تجد هذا التنافر في الشارع والأسواق والدوائر الحكومية وحتى بين العائلة الواحدة وبين الإخوة، من هذا المخاض الذي يحدث الآن وعلى الرغم من أن البشر هم كائنات اجتماعية، وبعض مستوى من الرفض هو جزء لا يتجزأ من الحياة. مع ذلك يمكن أن يصبح الرفض مشكلة عندما يكون لفترات طويلة أو متسقة، وعندما تكون العلاقة أمرا مهما، أو عندما يكون الشخص حساسا جداً للرفض، الرفض من قبل مجموعة كاملة من الناس يمكن أن يكون لها آثار سلبية خصوصاً ولا سيما عندما يؤدي إلى العزلة الاجتماعية.

من هنا لا بد لي أن أقول: إن تجربة الرفض يمكن أن تؤدي إلى عدد من الآثار النفسية السلبية مثل الشعور بالوحدة، وتدني احترام الذات والعدوان والاكتئاب. يمكن أن تؤدي أيضا إلى الشعور بعدم الأمان والحساسية الزائدة نحو رفض المستقبل. 

في زمننا هذا الذي اصفه بزمن.. اللا معقول.. في كل شيء ومن خلال الممارسات التي تحدث في كل يوم والتي نشاهدها على الفضائيات من قتل أب لأبنائه ومن قتل زوجة لزوجها أو أطفالها وبالعكس، وقتل أخ لأخيه أو الانتحار الذي أصبح حالة يرثى لها، كل هذا ما كان موجود في مجتمعنا بالرغم من المؤثرات والعوز والفقر. إذاً ما الذي يحدث لنا؟  هنا أسأل الأشخاص الذين ينظرون للأحداث على أنها لا يمكن السيطرة عليها وتظهر عليهم مجموعة متنوعة من الأعراض التي تهدد الصحية العقلية والجسدية، وقد يعانون من الإجهاد، وغالباً ما تظهر اضطرابات في العواطف موضحة قدر من السلبية أو العدوانية، وقد تظهر عليهم أيضا صعوبة في أداء المهام المعرفية مثل حل المشاكل، وهم أقل عرضة لتغيير الأنماط غير الصحية من السلوك مما قد يجعلهم على سبيل المثال، العوز. الفقر. الجوع. البطالة. الحالة النفسية والصحية التي لا يمكن تجاوزها أو حلها وبالتالي فإن النتائج تكون وخيمة وصعبة الحلول.

كذلك يجب ألا أنسى شريحة كبيرة من مجتمعنا وهي شريحة أبنائنا الطلاب والطالبات، غالباً ما يظهر التأثير التحفيزي للعجز للمتعلم في الفصول الدراسية، فالطلاب الذين يفشلون مراراً وتكراراً قد يخلصون إلى أنهم غير قادرين على تحسين أدائهم، وهذا الإسناد يمنعهم من محاولة النجاح، مما يؤدي إلى زيادة العجز والفشل المستمر وفقدان احترام الذات وغيرها من العواقب الاجتماعية. وبذلك تكون النتائج غير مرضية للعائلة والمجتمع بالكامل، والنتيجة المأساوية ما نشاهده الآن من انحطاط على كافة المستويات من تردي الأخلاق، وسرقة وقتل ومخدرات وجرائم يندى لها الجبين بحيث امتلأت السجون والمعتقلات بهم، أرجع وأقول أين نحن من الماضي، وهذا الحاضر الذي لا يسر وأين نحن من المستقبل القريب والبعيد، وأين نضع حياتنا بين خانة الرفض والقبول، ولا بد من سائل يسأل أين الحلول التي تخرجنا من المأزق الذي دمر البلاد والعباد؟؟! قد تبدو المشاكل الاجتماعية الناجمة من عجز المتعلم امراً لا مفر منه لدى أولئك الذين غرقوا فيه، ومع ذلك هناك طرق مختلفة للحد منه أو منعه، و يمكن تحصين الأشخاص ضد التصور بأن الأحداث لا يمكن السيطرة عليها من خلال زيادة وعي المجتمع و توضيح المضار الكبيرة التي تقع على الفرد والمجتمع بالخبرات السابقة المغيبة، كما أن العلاج المعرفي يمكن أن يستخدم لتوضيح أن سلوكيات الأشخاص و أفعالهم تحدث فرقاً و تعزز  من تقدير الذات، و نبدأ من رأس الهرم ألا وهي السلطة الحاكمة بيدها التغيير أي تغيير كل السلبيات و الأخطاء الموجودة في المجتمع على كل المستويات و الشروع نحو  التقدم  إلى شاطئ الأمان وخروج هذا المجتمع من عنق الزجاجة، إنها قادرة على ذلك إذا خلصت النيات نحو التغيير لحياة آمنة و مستقرة، لأننا في بلد حباه الله بكل خيرات الأرض و يكفي الجميع بدون تمييز.

عرض مقالات: