تواجه الحركة العمالية الأمريكية، ممثلة بنقاباتها واتحاداتها المهنية تحديات جمّة مع دخول العالم مرحلة العولمة وإحلال الإنسان الآلي محل البشر في الدورة الانتاجية، إضافة إلى التطورات التقنية الهائلة التي شهدتها وحدات الانتاج باعتماد أساليب ومعايير تتيح لأرباب العمل الاستغناء عن الأعداد الكبيرة من العمال والاعتماد على عدد أقل، مما يوفر أرباحا أكبر للشركات، ناهيك عن التشريعات التي راعت مصالح الشركات على حساب قضم المنجزات التي حققتها الحركة النقابية على مدى عقود من النضال، وجاءت أزمة (كورونا) لتزيد معاناة الطبقة العاملة أكثر، وكانت الحصيلة إما بتوقف عمل بعض الشركات أو تقليص ساعات عملها أو حتى انهاء عقود الكثير من الشغيلة.

أمام هذه الصورة المعتمة تحدث البروفيسور وكبير الاقتصاديين في (آي اف ال ـ سي آي او) أكبر الاتحادات المهنية الأمريكية في مقابلة أجريت معه بداية العام ٢٠٢١ وقال: مع كل الصعوبات وحالات الإحباط والحرب النفسية على النقابات، إلا أن هناك ظاهرة مهمة تتجلى بزيادة الوعي لدى الشباب اليوم بأهمية إحياء العمل النقابي وتعضيد الموجود منه الآن، لأنه هو الضامن الحقيقي لحقوق العمال والشغيلة في كل حقول الانتاج والخدمات القائمة اليوم، وهذا الوعي لدى الشباب تجاوز موقف ذويهم الذين أجبروا على الوقوف ضد العمل النقابي في العقود القريبة الماضية.

وقد اثبتت الوقائع التي عاشتها أمريكا مع انتشار جائحة (كورونا) بأن العمال الذين كانوا منتظمين في النقابات، هم الأوفر حظاً بالحفاظ على مهنهم، وأن النقابات لم تكن تهتم فقط بمناقشة رفع الأجور وزيادة مكاسب العمال فحسب، بل ساهمت بإيجاد مناخ أفضل للتعامل المشترك بينهم وبين الإدارات في ظل الظروف الاستثنائية القاهرة، ومنها جائحة (كورونا)، ووجود مثل هذا المناخ مكّن الشركات من الخروج بنتائج أفضل من قريناتها.

وأضاف قائلاً: نعم، شهدنا تراجعا خطيراً في أرقام العمال المنخرطين في النقابات، إذ وصل عددهم عام ٢٠٢٠ إلى (٧،٢ مليون عامل وبنسبة ١٠،٨٪ من قوى العمل)، ولعل من الأسباب المهمة لذلك، هي تبعات العولمة، وغلق الكثير من الشركات أو ترحيلها للدول الفقيرة، إضافة إلى التشريعات المعادية للتنظيم النقابي ومنها (قانون حق العمل) الذي يشجع العمال غير المنتظمين بالنقابات، ويحارب العمال النقابيين، بالإضافة إلى الأزمات الاقتصادية المتتالية  واختلال النسبة بين العرض والطلب في سوق العمل، والاستفادة من الدماء الشابة العطشى للعمل حتى بأجور أقل من أجور الأجيال التي سبقتها.

لكن، هذه الازمات أحدثت طفرة في الوعي أيضا تجلى في التطور النوعي لكفاءة العمال، ما منحهم امتيازات في تحدي بعض أرباب العمل الذين كانوا يعاملون الشغيلة كآلات وليس كبشر، وهذا تجلى في حركات عمالية جنينية ناهضة اليوم وخاصة في حقل عمال (تكنلوجيا المعلومات) مثل شركة ـ آبل للاتصالات والكومبيوترات، ومحاولات بشركة (كوكل) ايضا، وأصداء هذه التحركات تجد انعكاساتها في محاولات جادة لتأسيس النقابات في (شركة وول مارت/ أكبر شركة  للعمال في امريكا بحجم ٢،٣ مليون عامل و موظف) و(شركة أمازون للخدمات/ ثاني أكبر شركة للعمال بحجم ٩٥٠ الف عامل و موظف) و(شركة اوبر لخدمات التوصيل) وحتى في مطاعم الوجبات السريعة مثل (ماكدونالد).

ومن الأمثلة الصارخة على محاربة التنظيم النقابي ما جرى في مؤسسة (أمازون) بولاية آلاباما، حيث جرى التصويت على تأسيس نقابة للعمال هناك في يوم ٨ نيسان ٢٠٢١، شارك فيها ٥،٨٠٠ عامل وكانت نسبة الإقبال ٥٥٪، لكن صاحب العمل طعن بالنتائج، وشكك بالكثير من بطاقات التصويت والأمر الآن بيد القضاء!! هذا واحد من الامثلة.

يمضي الأستاذ وليم سبركس بالقول: لقد جرى تجريد العمال من الكثير من المنافع في السنوات الأربع الماضية (ولاية ترامب)، واختلت العلاقة بين إدارات العمل والعمال متمثلة بعدم احترامها لإرادة العمال ومحاربتهم بشتى الطرق. فيما تعرضت حياتهم الاقتصادية للخطر نتيجة لذلك، ما دفع المزيد من العمال للهجوم بدلا من الدفاع لاستعادة حقوقهم المسلوبة، ويأتي التنظيم النقابي كأهم هذه المؤشرات.

ومن المفيد التذكير بأن الإخفاق في الحفاظ على حقوق الشغيلة تتحمله جهتان، الأولى هي الحركة النقابية وما أصابها من خلل وتقلص، والثانية هي الحكومة وقوانينها المشبعة بالثغرات والتأويلات، ما جعلت من عملية تشكيل النقابات امرا مستحيلا في بعض الحالات.

ويُكمل الحديث: ويمكننا اليوم التعويل على الرئيس (بايدن) وإدارته، وعلى سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ في تشريع قانون (حماية العمل ـ برو آكت) والذي قدِّم لمجلس النواب العام الماضي، هذا القانون الذي نعول عليه في تحديث قوانين العمل في البلاد، والتخلص من العديد من التشريعات المعادية للنقابات العمالية التي جرى سنّها في العقود الثمانية الماضية.

اننا بحاجة إلى (قانون حماية العمل) خاصة في حقل العمل الخدماتي والذي ازدهر على حساب حقل العمل الانتاجي سابقا، وبشكل خاص للعمال الذين لا يمتلكون مهارات كثيرة.

أما الفيلسوف والمؤرخ الناشط الامريكي (نعوم جامنسكي)، فإنه وفي عمر ٩٢ عاما، مازال في أوج نشاطه وحيوته والتي تجسدت مؤخرا بإصداره آخر كتبه (نداء جامنسكي للنشطاء) والذي يمثل دعوة لحملة الأفكار التقدمية للعمل الحثيث على إعادة الحياة والروح للحركة النقابية، أمل الطبقة العاملة في الحياة المستقرة، ويقول : إن البلاد، والمجتمع والطبقة العاملة تواجه أخطاراً كارثية وجسيمة ولعل أهمها هو مخاطر البيئة، والتغيرات المناخية، والحروب وسباق التسلح والعولمة بكل مخاطرها، فهل سننجح بالحفاظ على الحياة على وجه الأرض أم إننا ماضون للفناء والانقراض!

نعم، ليس في عالمنا اليوم حركات ثورية كما عرفناها سابقا، لكن مستوى وعي الشعوب والحركات المدنية أكبر بكثير من حركات التحرر التي سبقتها، إن البشرية تمضي بثبات نحو الحرية ومحاربة الاستبداد والتمييز والحروب.

إن دعوة الفيلسوف جامنسكي هذه، إنما تفتح الآفاق واسعة ورحبة أمام الحركة العمالية والنقابية في البحث عما هو جديد ومفيد للمجتمع. ولعل العمل المشترك مع منظمات البيئة، والاهتمام بالتقنية الخضراء والتبدل المناخي سيوفر أرضية لدفع قطاعات أكبر من المجتمع ليس لتبني هذه المطالب فقط، بل للعمل التضامني ايضا.

عرض مقالات: