كانت أيامي الجامعية قاسية، بسبب الفقر وصعوبة ذهابي إلى البيت كي أجد ما يسد رمقي، وقد لازمني (الزي الموحد) الجامعي ليلا ونهارا، صيفا وشتاء. ولكن حياتي أصابها التغيير، حين عملت منتصف السبعينات في هيئة بمدينة الثورة وكان فيها عدد من الرفاق العمال.

كنت أنعم بالمأكولات التي أحصل عليها حين أزورهم، في البداية كنت أمانع، ولكنهم يصرون ضاحكين ربما لأنهم كان يعرفون كم كنت أتضور جوعا.

إحدى المرات ألح أحدهم أن التقيه قرب منطقة حافظ القاضي التي تحتوي أزقتها الكثير من المعامل ومنها ورش الخياطة في (ركبة الجسر) مقابل مطعم شريف وحداد، لم اعرف السبب، كعادتي مشيت سيرا على الأقدام من كليتنا في باب المعظم إليه، استقبلني مبتسما وبيده كيس نايلون، أخرج منه قميصا وهو يقول:

-إياك أن تخذلني.. لقد فصلت هذا القميص وخيطته بيدي إن شاء الله يعجبك!

اذهلتني المفاجأة شكرته ومضيت، وظل هذا القميص يلازمني كعنوان للوفاء والطيبة والرفقة الحقيقية، ولكن تنقلاتي المتعددة من بيت إلى آخر في فترة الاختفاء لاحقا، أضاعت مني ذلك القميص الجميل الأنيق.

لقد علمتني تجربة العمل الحزبي مع العمال، أن هؤلاء الذين يكدحون ليل نهار ولهم عوائل كبيرة، يبدون في الاجتماع أكثر حيوية ونشاطا، لا يعرفون ملل بعض المثقفين ولا التقلبات الفكرية، أو عدم احترام المواعيد، وكانوا أكثر دفئا وحميمية، ولم يعرفوا المزاجية في علاقاتهم وأن اختلفت معهم، أذ كنت بالنسبة لهم الأخ الصغير الذي على الجميع أن يرعاه.

لقد ضاعت ملامح هؤلاء الرفاق، وحتى أسماؤهم، لم أعرفهم بحكم العمل السري وكنا نناديهم (أبو فلان أو علان)، ولا أعرف أيضا ما هو مصيرهم، وماذا حل بهم، لقد فرقتنا الظروف والأمكنة. ولكنهم مازالوا في القلب. ويا ليت أجد من يصلني بهم.

فتحية لكم أينما تكونون، يا ما من عمقتم في روحي الانسان المحب للخير، وعرفتموني أن الشيوعية سمو في الإنسانية والمعرفة والتضحية، وليست انتماء فقط.

فلكم الوردة الحمراء بعيدكم أيها البعيدون القريبون، وكل عام وطبقتنا العاملة بخير.

عرض مقالات: