تتخذ الآن في الخرطوم الخطوات النهائية لاستكمال العملية السياسية، التي بدأت بتوقيع الاتفاق الاطاري في ٥ ديسمبر من العام الماضي بين قوى الحرية والتغيير وقيادة الانقلاب العسكري، والتي يتوقع ان تنتج عنها حكومة لا تختلف عن حكومة الدبيبة في ليبيا مثلا.

ويستمر السعي لتحقيق تزاوج بين المكونين المدني والعسكري ، وفق صيغة شراكة لا تختلف عن تلك التي تضمنتها الوثيقة الدستورية. ورغم اعلان العساكر تخليهم عن السلطة، الا ان الاتفاق الاطاري يفرض على رئيس مجلس الوزراء التوافق مع قادة الجيش في المسائل الفنية،مما يعني انه سوف يحكم من خلف الكواليس.

وقد اشار البرهان في حفل الافتتاح الى ان القوات المسلحة لابد ان تخضع لسيطرة الحكومة المدنية الديمقراطية المنتخبة، ما يعني انه سيكون شريكا في الحكومة الانتقالية الحالية. كما ان الاتفاق اخضع اهم القضايا، مثل تفكيك النظام السابق، والعدالة، واصلاح الجيش، واتفاق السلام الموقع في جوبا في شهر تشرين ، لمزيد من التشاور، ما يعني انها سوف تخضع للمساومة.

وقد أزاحت هذه العملية التجربة الوطنية السودانية واستبدلتها بالخبرة العالمية، التي اتضح من خلال الخلاف حول اصل وثيقة المحامين التي تأسس الاتفاق الاطاري وفقا لها، انها وصفة عالمية وضعت للدول الخارجة من النزاعات، بواسطة شركة محاماة عالمية يعمل فيها عدد من وزراء حكومة حمدوك السابقة، وتقوم بتسويقها مستشارة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثامبوامبيكي. كما يعمل على الترويج لها بعض المطرودين من الحزب الشيوعي ونشطاء في المجتمع المدني من التكنوقراط والخبراء، الذين يعملون في منظمات عالمية معلومة مثل وزير العدل السابق عبد الباسط عبد الباري الذي ينتسب الي منظمة المجلس الاطلسي. كما ترعى العملية الآلية الرباعية التي تضم الاتحاد الأفريقي وبعثة الامم المتحدة ودول الترويكا والسفير السعودي.

وقد لفت في الخرطوم منذ سبتمبر الماضي السفير النرويجي بتحركاته المشبوهة، والذي لعب دورا مثيرا للشكوك في انفصال جنوب السودان، وهو الآن يشكل حضورا مميزا في كل ورش العمل التي انطلقت أخيرا لإكمال العملية السياسية. ومما يبيّن عظم امر التدخل الدولي هذا الحضور الكبير للخبراء الذين وصلت نسبتهم الى 60بالمائة من أعضاء الآلية .كما تم استبدال التجربة الوطنية في تفكيك نظام البشير، التي  اشار اليها ميثاق الحرية والتغيير،  بالتجربة الكينية في محاربة الفساد  والخروج بما يشبه الادانة لنشاطات تجربة اللجنة الوطنية خلال المرحلة السابقة، مما يعني ان المرحلة المقبلة تجنح للتصالح مع مافيا الفساد التي كشرت عن انيابها اثناء الانقلاب وبعده.  فالنظام الهجين المقترح يحقق المساومة التاريخية التي يروج بعض المنسوبين جزافا الى اليسار  منذ زمن. وهي تجيء بعد الضغوط التي مارستها قوى النظام القديم من خلال نشاطها في اجسام اخرى، مثل الادارة الاهلية التي تنشط كلما اقترب الفرقاء من الوصول الى اتفاق سياسي ينهي الازمة، ما يعني ان نشاطهم مفتعل وان الهدف منه هو تحسين الوضع التفاوضي للعساكر واستصحاب اجندة فلول النظام السابق. ويبدو ان المجتمع الدولي قد اقتنع بصيغة استصحابهم في تركيبة السلطة القادمة والا تمس مصالحهم بشكل مباشر.

لكن العملية السياسية قد تنجح في استقطاب بعض قوى الثورة، وإن لن توقفها او تحدد مصير الحراك الجاري الان. فلجان المقاومة لازالت تضع جدول المسيرات والمواكب، ولجان النقابات التسييرية اعلنت الاضرابات التي دخلت اسبوعها الثاني. خاصة لجنة المعلمين الذين يمثلون ثلثي الخدمة المدنية في السودان. 

ولن يكون مصير العملية السياسية أفضل من حوار الوثبة في زمن نظام البشير.  وما ينجح في دول افريقية وعربية لا ينجح بالضرورة في السودان. ومشكلة المجتمع الدولي انه يتعرف على دول العالم الثالث من خلال ورش العمل، التي يقوم بتمويلها ويشرك فيها منسوبيه الذين يرددون على مسامعه ما يحب ان يسمع. لكنه سوف يدرك ان في السودان حركة سياسية ونقابية تعود الي اربعينيات القرن الماضي، وحراكا جماهيريا متصلا منذ العشرينيات.

 وليس من السهل ازاحة التجربة الوطنية المتجذرة واستبدالها بالخبرة الدولية، عن طريق اغداق المال على منظمات المجتمع الدولي والخبراء المحليين والدوليين، الذين احترفوا التسول من موائد الدول الكبرى.

عرض مقالات: