بعد معركة انتخابية صعبة وقاسية، تمكن مرشح حزب العمل البرازيلي، ورئيس جمهورية البرازيل الأسبق، والشخصية الأبرز في اليسار البرازيلي، لولا دا سلفيا من الانتصار في جولة الانتخابات الثانية، التي جرت في 30 تشرين الأول الفائت، على الرئيس الفاشي المنتهية ولايته جايير بولسونارو. وحصل لولا على 50,90 مقابل 49,10 في المائة لمنافسه، متقدما عليه بأكثر من مليوني صوت.

وعادة ما يجري التركيز على أهمية هذا الانتصار من قبل محللي اليسار في جانبه الوطني، وعلاقته بالصراع الاجتماعي المحتدم في البرازيل وعموم القارة اللاتينية بين قوى اليسار السياسي والاجتماعي وقوى اليمين التقليدي والمتطرف المدعومة من مراكز رأسمال المحلية والعالمية. ولا ينال تحليل تأثير هذا الانتصار وسلسلة انتصارات يسار القارة على العلاقات الإقليمية والدولية اهتماما ملحوظا.

البرازيل هي واحدة من الاقتصادات الرائدة في العالم، وهي عضو في مجموعة العشرين ومجموعة دول بريكس، وبالتالي لها تأثير حاسم على عموم أمريكا اللاتينية، والعالم. وتعد البرازيل، عملاق أمريكا اللاتينية، واحدة من أكثر الدول اكتظاظًا بالسكان في العالم، يبلغ عدد سكانها قرابة 215 مليون نسمة. وناتج أجمالي محلى يبلغ قرابة 1,8 تريليون دولار أمريكي، لذلك فإن مثلها السياسي له تأثير حاسم على خريطة العلاقات الإقليمية والدولية.

لقد عززت البرازيل الموجة اليسارية الجديدة في أمريكا اللاتينية وتعاون بلدان جنوب العالم، البالغة الآن 134 دولة نامية ويمكن أن يمثل بديلاً اجتماعيًا في وقت تواجه فيه الدول الغربية ركودًا وأزمة مقبلة.

الأهمية الإقليمية والعالمية لانتخابات البرازيل

تلعب البرازيل دورًا مهمًا في أمريكا اللاتينية، حيث تضم ثلث سكانها. ويجب أن يُنظر إلى فوز لولا في الانتخابات الرئاسية في سياق الموجة الثانية لنجاحات اليسار التي تطورت تدريجيًا في بلدان أمريكا اللاتينية منذ عام 2018.  لقد كان لولا أحد قادة موجة اليسار الأولى، التي بدأت بانتخاب هوغو شافيز في عام 1998 في فنزويلا واستمرت حتى انقلاب اليمين البرلماني في البرازيل، وعزل رئيسة الجمهورية المنتخبة ديمقراطيا ديليما روسيف في عام 2016. ان استمرار وتعزيز نجاحات الموجة اليسارية الثانية سيؤثر في تطوير المؤسسات الاقتصادية الإقليمية لأمريكا اللاتينية، مثل مجموعة البا، ومجموعة ميركوسور، وينشط العلاقات الثانية والجماعية بين بلدان القارة.

والبرازيل مؤثرة عالميا أيضا، اذ تلعب دورًا مهمًا في مجموعة دول البريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا) وفي المؤسسات الدولية الأخرى. ونظرًا لأن الدول النامية حساسة للتقلبات الاقتصادية العالمية، فإن بريكس لها أيضًا تأثير على ديناميكيات استجابة الدول النامية لحرب أوكرانيا والعقوبات المناهضة لروسيا التي تفرضها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي.

حكومات اليسار في أمريكا اللاتينية تتعاون أيضا مع بلدان جنوب العالم، في إطار مجموعة الـ 77 + الصين، والتي أصبحت الآن تضم 134 بلدا. على هامش اجتماع الأمم المتحدة في أيلول الفائت، اختار قادة المجموعة كوبا لرئاسة المجموعة ابتداءً من كانون الثاني 23، مما يعزز دور أمريكا اللاتينية في العالم. وبالتالي، فإن المد اليساري الجديد في أمريكا اللاتينية، جنبًا إلى جنب مع جميع دول العالم النامية تقريبًا، ستتاح له الفرصة لإسماع صوته السياسي المتعدد الأطراف والمناهض للهيمنة وإظهار بدائلها الاجتماعية خلال فترة الركود والأزمات القادمة في الدول الغربية. وهذا هو التحدي الكبير الذي يجب أن نفهم من خلاله إعادة انتخاب لولا كرئيس للبرازيل. وبالتأكيد فان انتصار لولا المعروف بصداقته للشعب الفلسطيني، والتضامن مع قضيته الوطنية العادلة، سيؤثر، بشكل ما على التوازنات العالمية بشأن القضية الفلسطينية.

ملامح اضافية

هناك اتجاهان إضافيان في الوضع العالمي. يؤدي تعزيز دور الحكومات اليسارية في أمريكا اللاتينية، بعد الانتصارات في تشيلي، كولومبيا والبرازيل، إلى تسليط الضوء على ازمة المناخ العالمية، ويعزز المعسكر الداعي للحد من اضرارها العميقة. وقد عكس خطاب الرئيس الكولومبي بترو غوستاف في 21 أيلول الفائت، في مناقشات الأمم المتحدة هذا الاهتمام. وبالتأكيد سيعمل الرئيس لولا على تشديد الدفاع عن غابات الأمازون، وسيكون هناك كذلك اهتمام في الصراع النظري للدفاع عن “أمنا الأرض”، كما يسموها سكان أمريكا اللاتينية الأصليين.

وفي اوربا يتصاعد النقص في الطاقة، جراء الغزو الروسي لأوكرانيا، والعقوبات الغربية المفروضة على الغاز الروسي، مما يعزز صعود قوى اليمين المتطرف والنازية الجديد في اوربا، كما شهدنا ذلك في إيطاليا.

عرض مقالات: