وفق معطيات الساحة السياسية السودانية، ليس من المتوقع ان يمر شهر تشرين القادم مرور الكرام.

فمن ناحية تمر في هذا الشهر ذكرى عزيزة على شعب السودان، حيث اندلعت فيه اول ثورة مدنية أطاحت بحكومة الجنرال إبراهيم عبود عام 1964. كما انه الشهر الذي  انقلب فيه قائد الجيش الحالي عبد الفتاح البرهان على حكومة الفترة الانتقالية، لتدخل البلاد في حالة من الاضطرابات راح ضحيتها اكثر من ألف شخص في كل انحاء السودان، وما زالت مستمرة.

لكن اللافت انه مع اقتراب اطلالة الشهر هذا حدثت تحولات مهمة، على رأسها بروز تحالف جديد بقيادة الحزب الشيوعي السوداني يحمل اسم “قوى التغيير الجذري” وهو ينادي بتجاوز المكونات الحالية للواقع السياسي، وبتأسيس حكومة مدنية تستبعد بشكل نهائي المكون العسكري.

في غضون ذلك أصدرت لجنة تسيير نقابة المحامين وثيقة دستورية لاستكمال ما تبقى من الفترة الانتقالية، ونالت هذه الوثيقة موافقة ودعم بعثة الأمم المتحدة وممثلي البعثات الدبلوماسية في الخرطوم. في حين عارضها الحزب الشيوعي والتحالف الذي يتزعمه.

وقد أشاد بها رئيس البعثة الدولية (بيرتس فولكر) في خطابه قبل أيام في الأمم المتحدة، ونالت استحسان ودعم مجلس النواب الأمريكي. علما ان فولكر وكذا السفير الأمريكي في الخرطوم شادا مراراً وتكراراً بلجان المقاومة، التي تنظم مواكب الاحتجاج وتقودها في الشوارع.

وفي هذه الاثناء خرج محمد حمدان حميدتي نائب رئيس مجلس السيادة وقائد قوات الدعم السريع بموقف اربك الساحة السياسة، واعتبره البعض نتيجة لتحالف غير معلن بينه وتحالف الحرية والتغيير. حيث اعلن تأييده للوثيقة الدستورية، ورحبت قيادات في الحرية والتغيير بموقفه هذا. وفي هذا الوقت بالتحديد صدرت مواقف من جهات في الجيش السوداني تتوافق مع تصريحات لعناصر من النظام السابق تهاجم الوجود الأجنبي والاستقواء به. واتهم بعضها قيادة الجيش الحالية بالتقصير في إدارة الفترة الانتقالية وطالب باستبدالها.

وراح عناصر النظام السابق يهللون لهذه الخطوة. فيما اتهمهم بيان صادر عن الحرية والتغيير بالسعي الى احداث فتنة داخل الجيش وإدخال البلاد في اتون حرب أهلية طاحنة.

الا ان محللين يرون ان اشتداد حالة التوتر الحالية مقرونة بالنزاعات الاهلية المسلحة في اطراف السودان المختلفة، تنشط لوقف المقاومة المدنية السلمية التي انتظمت البلاد عقب الانقلاب، وتتمثل في السعي الدؤوب لاستعادة النقابات التي تعرضت الى المصادرة. ولكن الجماهير تواصل سعيها لاستعادة نقاباتها بعد خطوة الصحفيين التي وجدت اشادة واسعة حتى من منظمات إقليمية ودولية.

واندلعت كذلك إضرابات لعمال الكهرباء وللأطباء والتجار في عدد من المدن. وفي المقابل تسعى عناصر الثورة المضادة لإشعال الأوضاع في كل البلاد، كي تقطع الطريق على المقاومة المدنية السلمية، وهي تنتقل الى مربع جديد بعد المسيرات التي عكست بسالة الشباب السوداني من الجنسين.

هذا في وقت ينظر فيه المجتمع الدولي والكثير من دول العالم، عدا الصين وروسيا، الى حكومة الامر الواقع في الخرطوم على انها فاقدة للشرعية. مما يجعل هذه الخطوة تمثل بداية النهاية في طريق تصفية الانقلاب، واستئناف مسيرة الانتقال الديمقراطي.

عرض مقالات: