جاءت نتيجة الاستفتاء العام على مشروع الدستور التقدمي الجديد، الذي جرى الأحد الفائت في تشيلي بأمريكا الجنوبية، مطابقة لآخر استطلاعات رأي سبقته. ولكن لم يتوقع أحد هذا الفارق الكبير. فقد رفض قرابة 62 في المائة من الناخبين مسودة الدستور الجديد، فيما صوت لصالحها أكثر قليلا من 38 في المائة. وفي الأسابيع الأخيرة تغيرت كفة التصويت لصالح معسكر الرفض بنسبة تتراوح ما بين 4 – 12 في المائة.

كان رد فعل معسكر أنصار الدستور، الذين تجمعوا في «ساحة الكرامة» هو الذهول ازاء  نتيجة الاستفتاء. وكانت الساحة الواقعة في وسط العاصمة سانتياغو، قد أصبحت في عام 2019 رمزا للحركة الاحتجاجية ضد سياسات الليبرالية الجديدة السائدة في البلاد، والتي سرعان ما أصبح مطلبها الرئيسي صياغة دستور جديد للبلاد، بدل الدستور النافذ الموروث من دكتاتورية بنوشيه الفاشية (1973 – 1990).

خلفية الحدث

في استفتاء عام 2020، صوتت أغلبية ساحقة لصالح إقرار دستور جديد. وفي العام التالي، حصل مرشحون يساريون وتقدميون على الأكثرية في الجمعية التأسيسية التي انيط بها طرح مسودة لدستور جديد. ومثلت المسودة قطيعة واضحة مع دستور بينوشيه النافذ، والذي على أساسه اعتبرت تشيلي نموذجا لليبرالية الجديدة، ولم يتم تعديله إلا جزئيًا بعد نهاية الديكتاتورية. ونصت مسودة الدستور المقترحة على تحويل البلاد من الألف إلى الياء، إلى دولة رفاه تعزز حقوق المرأة وحماية البيئة، والاعتراف بحقوق السكان الأصليين، وتكريس الحق في السكن والصحة والتعليم، والنص على أن تكون نسبة النساء في مؤسسات الدولة 50 في المائة، وان تتمتع النساء بحق الاجهاض.

هزيمة ام انتكاسة

توجد في معسكر أنصار الدستور أقلية ترى أن ما حدث يمثل هزيمة لحكومة تحالف قوى اليسار الواسع، الذي استلم السلطة في البلاد قبل ستة أشهر، في حين ترى الأغلبية ان الرفض جاء للنص المقترح وليس للمطالبة بإقرار دستور بديل.

ومساء الأحد أعلن رئيس الجمهورية غابريل بوريك ان الشعب التشيلي « لم يكن راضيا عن المسودة التي قدمها المؤتمر الدستوري»، وانه الآن يريد «وضع خارطة طريق دستورية جديدة مع السلطة التشريعية والمجتمع المدني».  وكان الرئيس قد تحدث خلال الأسابيع الماضية لصالح تعديل النص المقترح كجزء من «حوار وطني» في حالة رفض المسودة المطروحة. ودعا الرئيس جميع ممثلي الأحزاب السياسية إلى اجتماع في القصر الجمهوري لإعادة النظر في القضايا المتعلقة بالجمعية التأسيسية.

وعبرت النائبة عن الحزب الشيوعي المشارك في الحكومة، كارول كاريولا، عن قناعتها، عبر تويتر بأنه «سيكون لدينا دستور جديد عاجلاً وليس آجلاً». وقالت النائبة الشيوعية وإحدى الناطقين باسم حملة معسكر الموافقة ان «دستور الثمانينات لا يوحدنا ولا يمثلنا أيضًا، والحاجة إلى دستور جديد ضرورية ويعترف بذلك ممثلو المعارضة أيضا». وقال النائب فلادو ميروسيفيتش أحد منسقي لجنة معسكر الموافقة انه «تم رفض هذا النص، ولكن لم يتم رفض مبادرة وضع دستور جديد». 

موقف قوى اليسار والحركات الاجتماعية

 وفي بيان لأحزاب تحالف اليسار تم التأكيد على المضي تحت قيادة الرئيس غابرييل بوريك، «الذي يجب أن يقود هذه الدورة التأسيسية لوضع دستور جديد في شيلي. وتتطلب الخطوات التالية جهدًا كبيرًا للحوار الديمقراطي مع جميع الأطراف السياسية والاجتماعية وجميع القوى المتاحة، ونحن ملتزمون بذلك». ووقع البيان 12 حزبا وحركة أبرزها الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي وحزب الخضر.

وأصدرت الحركات الاجتماعية الداعمة للمسودة المرفوضة بيانا، قالت فيه أن العملية الدستورية لم تكتمل بعد، وان ما حدث هو «هزيمة في عملية اقتراع، وليس هزيمة للمشروع». واضافت ان « مهمة الإطاحة بالمؤسسة الاستبدادية والليبرالية الجديدة لا تزال قائمة».

كما اضافت مؤكدة : «سوف نتعافى بسرعة. وان ايا من المشاكل الاجتماعية التي أدت إلى هذه العملية، لم تتم الاستجابة لها. وستصبح مسودة الدستور الجديد خارطة طريق للحركات الاجتماعية. وان الحد الأدنى من الحقوق والأدوات لا يمكن التخلي عنه، وأننا مستمرون على الطريق الذي اخترناه، ولن نقبل بأقل من ذلك. وستكون الدروس التي تعلمناها أساسية، لأن الحركات الاجتماعية لم تعد كما كانت، قبل كتابة مسودة الدستور».

اليمين يحتفل

 حرصت قوى اليمين السياسية والاجتماعية إلى تحويل نتائج الاستفتاء مناسبة للانتقال من حالة الدفاع التي فرضت عليها منذ ثلاث سنوات إلى حالة للهجوم. وفي هذا السياق نظم التكتل اليميني «تشيلي هيا بنا» والقوى السياسية المنضوية تحت منصة ما يسمى «يسار الوسط»، ورجال الأعمال، والجيش، والمؤسسات المالية التي تسيطر على وسائل الاعلام، والمؤسسات الكاثوليكية واليمين المتطرف، احتفالا بنتائج الاستفتاء، مجددة رفضها لتشكيل الجمعية التأسيسية، ومدعية ان الشعب لا يريد دستورا جديدا. وأعلنت أحزاب اليمين عدم استجابتها لدعوة رئيس الجمهورية. وقد هتف المحتفلون: «من لا يحتفل شيوعي»، والآن «تم تحرير تشيلي من الشيوعية».

لقد بينت نتائج الاستفتاء أن سقف المطالبات لم يأخذ في الاعتبار واقع التوازنات الاجتماعية في البلاد، والتي تختلف بشأن حقوق أكثر تقدمية للنساء وللسكان الأصليين، فضلا عن التباينات داخل معسكر «الموافقة» وموقف أوساط من الحركة الاحتجاجية، التي تتهم الرئيس الحالي، بعدم أخذ رأيها خلال المفاوضات التي أجراها كممثل للحركة الاحتجاجية مع المؤسسات الحاكمة آنذاك. ومن هنا فان على اليسار ان يجعل من الساحات والشوارع ميدانا لمناقشات شعبية عامة، تضع العملية الدستورية على السكة المطلوبة.

عرض مقالات: