وفقا لأحدث دراسة اصدرتها مؤسسة Verisk Maplecroft   الاستشارية البريطانية للمخاطر، توقعت حدوث “اتساع غير مسبوقة في الاضطرابات المدنية” في أكثر من نصف بلدان العالم، بما في ذلك العديد من البلدان الأوروبية. ووفقًا لدراسة حديثة أجرتها المؤسسة، وشملت أكثر من 198 بلدا، فإن “المخاطر الاجتماعية والاقتصادية” تصل حاليًا إلى “مستوى حرج” حيث تجاوز معدل التضخم 6 في المائة في “أكثر من 80 بالمائة من بلدان العالم „؛ يمكن الافتراض أن “جدية وتواصل الاحتجاجات والنشاط العمالي سيستمر في التصاعد في الأشهر المقبلة”. وستحاول البلدان الغنية شل الحركة الاحتجاجية بواسطة “حزم الإغاثة”، بينما ستواجه البلدان الفقيرة قمعًا أكثر صرامة. وفقًا لتقرير المؤسسة فان ألمانيا ستكون إحدى الدول الأكثر تضررًا من مخاطر الاضطرابات المدنية. لقد أقرت الحكومة الألمانية للتو “حزمة الإغاثة” الثالثة. وبموازاة ذلك، بدأت في بريطانيا العظمى، وفق بعض التقديرات، أكبر موجة من الإضرابات والاحتجاجات منذ عقود. وفي يوم السبت الفائت، ولأول مرة في الاتحاد الأوروبي، خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع في براغ احتجاجًا على خطر الفقر.

واقع أكثر سوءاً

تشير الدراسة إلى أن الوضع في جميع أنحاء العالم قد تدهور بالفعل أكثر مما كان متوقعًا خلال أزمات السنوات الأخيرة. وكانت المؤسسة قد توقعت في أواخر عام 2020، أنه بحلول شهر آب 2022 سيزداد “خطر الاضطرابات المدنية” في 75 دولة. تقول الدراسة: لقد “كان الواقع أسوأ بكثير”: شهدت 120 دولة زيادة في التوترات بين سكانها. وتتأثر دول أوروبا إلى حد كبير بالتوقعات الحالية. ونتيجة للحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية ضد روسيا، فإن الوضع في القارة الأوروبية يقترب من الذروة. ألمانيا وهولندا وسويسرا والبوسنة والهرسك وأوكرانيا هي أكثر البلدان عرضة لعواقب الاحتجاجات المتوقعة.

المال أو القمع

في الشأن الأوربي تعتقد الدراسة، أن الحكومات المعنية ستحاول منع الاضطرابات عبر “برامج الإغاثة”. وعندما لا يكون ذلك ممكنًا، يمكن أن يصبح القمع المطلق “الرد الرئيسي على الاحتجاجات المناهضة للحكومة”. بطبيعة الحال، ينطوي القمع على مخاطره الخاصة: فهو يترك وراءه “شعوب غير راضية، وآليات أقل”، „لاحتواء “ استيائهم. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يكون الطقس عاملاً حاسمًا: “خريف وشتاء باردان في أوروبا من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم أزمة خطيرة بالفعل في الطاقة وتكاليف المعيشة”.  ومن المتوقع أن يتجاوز التضخم في العام المقبل معدلات العام الحالي. وتتوقع الدراسة أن “الخفض الكبير لأسعار الغذاء والطاقة العالمية فقط، يمكن أن يوقف الاتجاه العالمي السلبي في مخاطر الاضطرابات المدنية”. وإلا فإن “الأشهر الستة المقبلة قد تكون أكثر اضطرابًا” مما كان متوقعًا.

تصاعد الغضب

كانت بريطانيا أول دولة في أوروبا تتعرض لموجة من الاحتجاجات والاضرابات. أظهر استطلاع أجري هناك مؤخرًا أن 23 بالمائة من البريطانيين البالغين مستعدون لعدم تشغيل التدفئة طوال الشتاء المقبل لأسباب تتعلق بالتكلفة. وان 70 في المائة يقولون إنهم يريدون تدفئة أقل من السابق. ومنذ عدة أسابيع بدأت حملة “يكفي يعني يكفي” مدعومة من النقابات والعديد من المبادرات ضد “أزمة غلاء المعيشة”؛ تمكنت من كسب أكثر من 100 ألف في غضون 24 ساعة فقط، ووقع لحد الآن نصف مليون مواطن على مشاركتهم في الحملة. وعبرت الحملة عن نفسها بالعديد من الإضرابات، على سبيل المثال لا الحصر، في قطاع النقل، وفي خدمات البريد أو في الموانئ؛ وتجري مناقشة تنظيم اضراب عام. وتدعو مبادرة أخرى (“لا تسددوا الفواتير في المملكة المتحدة”) إلى إلغاء الخصم المباشر لموردي الطاقة في الخريف، وإذا لزم الأمر، عدم دفع فواتير الطاقة، وفقًا لآخر استطلاع، يمكن للمبادرة لاعتماد على 1,7 مليون مؤيد.

احتجاجات براغ

في عطلة نهاية الأسبوع، ولأول مرة شهد الاتحاد الأوروبي، احتجاجات جماهيرية حاشدة ضد الإفقار الوشيك لقطاعات واسعة من السكان. شارك السبت الفائت، أكثر من 70 ألف مواطن في تظاهرات جالت شوارع في براغ، طالبت بسيطرة حكومية على أسعار الطاقة. وبخلاف ذلك، سيتم “تدمير اقتصادنا هذا الخريف”، كما يقول منظمو التظاهرات. وندد المتظاهرون بالدعم الهائل الذي قدمه الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي لحرب أوكرانيا. وقالوا إن جمهورية التشيك الواقعة في وسط أوروبا يجب أن تكون محايدة عسكريا وتضمن إبرام عقود مباشرة مع موردي الغاز ومنهم روسيا. ووفقًا للتقارير، وعلى عكس ما جرى في بريطانيا، شارك في احتجاجات براغ طيف سياسي غير متجانس، يمتد من الحزب الشيوعي يسارا الى قوى اليمين المتطرف. ومن جهة أخرى. حاول رئيس الوزراء بيتر فيالا نزع الشرعية عن المتظاهرين بالقول إنهم “قوى موالية لروسيا” تعمل “ضد مصالح جمهورية التشيك”. 

ويبقى أن نرى ما إذا كان الاتهام بأن أي شخص يحتج على الارتفاع السريع في الأسعار يخدم المصالح الروسية المزعومة سيصمد في المدى الطويل في مواجهة الإفقار الوشيك. وجاءت الاحتجاجات بعد يوم من نجاة الحكومة من اقتراع بسحب الثقة منها، وسط اتهامات من المعارضة بعدم اتخاذها أي إجراء في مواجهة التضخم وارتفاع أسعار الطاقة.

عرض مقالات: