شهدت العاصمة البوليفية لاباز الخميس الفائت مسيرة احتجاج شارك فيها الآلاف يتقدمهم رئيس الجمهورية لويس أرس ونائب الرئيس ديفيد تشوكيهوانكا وزعيم حزب” حركة من اجل الاشتراكية” الحاكم إيفو موراليس، وشارك في المسيرة اتحاد النقابات العمالية ونقابات المهن المختلفة، وعشرات من منظمات السكان الأصليين والمنظمات الاجتماعية. وجاء تنظيم المسيرة لإظهار القدرات التعبوية في مواجهات اعتداءات اليمين وتحركاته المتصاعدة، والتحذير من عودته الى تنظيم انقلاب جديد.

ونقلت وسائل الاعلام المحلية عن رئيس الجمهورية قوله “لن يسمح الشعب بخداعه ثانية لأنه يعرف ما ستفعله حكومة يمينية وانقلاب جديد. لقد عانينا من الاضطهاد والسجن وفقدان الرفاق، ولن نسمح أبدًا بانقلاب آخر. وأضاف أن الشعب يُعلم اليمين وأنصاره، بواسطة هذه المسيرة، درسا في الديمقراطية. وحذر الرئيس من أن المعارضة: “تريد الاستيلاء على الحكومة من أجل بيع مواردنا الطبيعية وشركاتنا العامة”. وقال خوان كارلوس غارسيا، أحد القادة النقابيين البارزين في البلاد: “يجب أن نكون يقظين لأن الرأسماليين يريدون الاستيلاء على السلطة”.

تمتلك بوليفيا أكبر احتياطي لمعدن، الليثيوم المكتشف في العالم، والتي تقدر بقرابة 21 مليون طن. ويدخل هذا المعدن الثمين في العديد من الصناعات الالكترونية والمعدنية، و بينما تحاول الحكومة الاستفادة من المعدن لتطوير الصناعات المحلية، وافتتحت قبل أسابيع قليلة أول مصنع إنتاج لبطاريات الليثيوم، تريد الولايات المتحدة، بشكل خاص، وكذلك الاتحاد الأوروبي، السيطرة بطريقة وأخرى على هذه المادة الخام. ولهذا اتهم الرئيس السابق وزعيم الحزب الحاكم ايفو موراليس، الذي كان ضحية انقلاب مدعوم من واشنطن واضطر إلى الذهاب إلى المنفى بعد إعادة انتخابه في نشرين الثاني 2019، في كلمة له في مسيرة العاصمة، المعارضة بتجميع وتحشيد قواها لتنفيذ تعليمات الولايات المتحدة، التي تعتبر استعادة سيادة الدولة بالوسائل الديمقراطية جريمة.

وجاءت التعبئة التي يقودها الحزب الحاكم والمنظمات الاجتماعية، وسط توترات سياسية افتعلها اليمين، على خلفية تأجيل رئيس الجمهورية تعداد سكاني عام كان مقرر اجراءه في 16 تشرين الثاني المقبل الى عام 2024. لضمان اجرائه بطريقة سليمة تقنيا، ومسؤولة وبعيدًا عن أي مصالح سياسية.  وبالمقابل دعا حاكم منطقة سانتا كروز اليميني لويس فرناندو كاماتشو وشخصيات معارضة أخرى إلى إجراء الإحصاء السكاني في وقت مبكر من عام 2023. إنهم مهتمون بأولوية المزايا المادية والتأثير السياسي الأكبر. بناءً على عدد السكان الذي يحدده التعداد، فيما يتعلق، بين أمور أخرى، بتحديد مقاعد في البرلمان وحصة الولايات من الضرائب.

في آخر تعداد سكاني نظم قبل عشر سنوات احتلت منطقة سانتا كروز، التي يهيمن عليها رجال الأعمال المحافظين والساسة اليمينيون، المرتبة الثانية بعد منطقة العاصمة لاباز. ويتهم رئيس الجمهورية، كاماتشو وأنصاره بالسعي لزعزعة استقرار حكومته من خلال صراع زائف على موعد اجراء التعداد: ان “اليمينيون معنيون بملء جيوبهم فقط، وإفراغ جيوب الشعب”.

طبيعة الانقلاب السابق

في حوار مستفيض سابق مع مجلة جاكوبين اليسارية الامريكية ونشر في موقعها الألماني، حدد ألفارو غارسيا لينيرا نائب الرئيس البوليفي السابق ايفو موراليس طبيعة انقلاب 2019 اليميني بالشكل التالي:

“أن الانقلابات هي دائمًا مكائد تآمريه لعدد قليل من الأشخاص، لكنها لا يمكن أن تنجح إلا إذا كانت العوامل الخارجية ملائمة. ولكي ينجح الانقلاب، يجب أن يكون قسم من المجتمع مستعدًا للانفصال عن النظام الدستوري والديمقراطية.

لقد ضمت المجموعة التآمريه المسؤولة عن انقلاب 2019 جنرالات في الجيش والشرطة، ورجال أعمال قاموا برشوة ضباط وقادة، ولويس ألماغرو سكرتير منظمة الدول الأمريكية، وثيقة الصلة بواشنطن، وعاملين في ووزارة الخارجية، وبعض أعضاء الكنيسة الكاثوليكية، وحتى رؤساء سابقين. اجتمعت هذه المجموعة الأساسية وادارت القوات اللازمة لتنفيذ الانقلاب.

والانقلاب لم يأت من فراغ: في السنوات الأربع الماضية رأينا وسطا كبيرًا من المجتمع، ممثلا بالفئات الوسطى التقليدية (تميزا عن الفئات الوسطى الجديدة الصاعدة بفضل السياسات التقدمية)، يعارض بغضب الديمقراطية. وهو ما خلق مناخا من العنف، من خلال نشر اراء وموضوعات عنصرية على مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الأخرى، دعمت في نهاية المطاف إطاحة مسلحة استبدادية بالسلطة المنتخبة.

وهذه الكتلة الاجتماعية لا تزال موجودة في أوساط الراي العام البوليفي. وعندما أصبحت نتائج انتخابات 2020 معروفة، توجهوا مرة أخرى الى الثكنات العسكرية للدعوة إلى انقلاب آخر. وزعموا في صحفهم وشبكاتهم وجود تزوير انتخابي، مع غياب تام للأدلة. ان الأمر بالنسبة لهم على هذا النحو: إذا انتصر “الهنود الحمر”، فلا بد من وجود احتيالً. لكنهم خسروا وسيستمرون في الخسارة - لأنهم أقلية، ومنحطون كذلك”.

عرض مقالات: