غواتيمالا هي الدولة الأكثر اكتظاظا بالسكان في أمريكا الوسطى، يبلغ عدد سكانها قرابة 17 مليون نسمة (تقديرات عام 2016). تمتاز بتنوع بيولوجي. بعد الاستقلال عام 1821، حكمتها منذ منتصف القرن التاسع عشر سلسلة من الدكتاتوريات المتعاقبة المدعومة من الرأسمال المحلي والولايات المتحدة الأمريكية. في النصف الثاني من القرن العشرين شهدت البلاد حركة كفاح مسلح يسارية (1954 – 1996)، اعتمدت حكومات اليمين خلالها تصفية عرقية بحق السكان الأصليين. بعد اتفاق السلام نشأت من الحركة المسلحة أحزاب سياسية علنية شاركت في الانتخابات المتعاقبة.

 إن صعود قوى اليسار والتقدم في أمريكا اللاتينية، ونجاح تجمع أغلب قوى اليسار في البرازيل حول رئيس الجمهورية الأسبق سلفيا دي لولا، لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، وتحقيق العودة للسلطة، وانتصار اليسار التاريخي في كولومبيا في 19 حزيران الجاري، وانتخاب أول رئيس جمهورية يساري في البلاد، قد خلق حراكا يساريا في غواتيمالا.

أحد نماذج هذا الحراك الرسالة المفتوحة التي وجهها الشخصية اليسارية والكاتب المعروف ميغيل أنغيل ساندوفال إلى قوى اليسار والتقدم في البلاد داعيا إلى وحدتها، على غرار ما حدث في بلدان القارة التي عاشت في الأسابيع الأخيرة نجاحات استثنائية. لقد نشرت الرسالة في عدد من المواقع الإعلامية المهمة.

في عام 1972 كان ساندوفال نفسه من بين مؤسسي حركة كفاح مسلح يسارية “وحدات جيش الفقراء”، وأصبح لاحقًا جزءًا من قيادة الحزب السياسي “الاتحاد الوطني الغواتيمالي”، الذي خلف الحركة المسلحة بعد اتفاق السلام فيعام 1996، وكان مرشحه لانتخابات الرئاسة في عامي 2007 و2015؛ ولم يحصل فقط على سوى 3 في المائة تقريبا. ولا يحصر ساندوفال دعوته على الانتخابات. تقول الرسالة: “سيكون التفكير بالتحالفات الانتخابية المحتملة فقط، ضعيفا للغاية، بدون التفكير بطرح رؤية “. وأشارت الرسالة إلى أكثر مشاكل البلاد ضررا “التضخم المتسارع”، الذي سيعمق تفاقم الوضع الغذائي لقطاعات كبيرة من السكان. ومن المتوقع ان يؤدي إلى “حالة طوارئ استثنائية”.

ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي ستجرى في غضون عام تقريبًا، دعا ساندوفال إلى استخلاص الدروس من نتائج انتخابات 2019، التي حصلت فيها الأحزاب المتنافسة فرادى على قرابة 18 في المائة من الأصوات، في حين وصل الفائز اللاحق في الانتخابات، اليميني أليخاندرو جياماتي إلى جولة انتخابات الرئاسة الثانية بحصوله على المركز الثاني و13 في المائة فقط. وفي ظل ظروف عادلة، كان من المحتمل بالنسبة للقوى التقدمية تحقيق نتيجة أفضل. لقد رشح الديمقراطيون الاجتماعيون حينها، المدعية العام والمناضلة ضد الفساد ثيلما ألدانا لخوض الانتخابات الرئاسية، لكن ترشيحها فشل، بسبب اتهامات مفاجئة بقضايا فساد، ورغم رفضها للاتهامات، اضطرت لمغادرة البلاد إلى الولايات المتحدة. ويرى ساندوفال ان التآكل المتزايد لسيادة القانون الهشة اساسا في غواتيمالا يشكل جانبا آخر لأزمة البلاد.

وذكر الكاتب أيضا بمبادرته في الدعوة أيضا في بداية هذا العام والتي استجاب لها حزبان فقط، وعلى الرغم من ذكره الأحزاب التي ظلت بعيدا عن الاتفاق، إلا أن متابعين يشيرون إلى انه يعني “حركة تحرير الشعوب” الحزب الذي خرج من معطف “لجنة تنمية الفلاحين” في المناطق الريفية، وبالتعاون مع ست نقابات في عام 2018، والذي حصلت مرشحته تيلما غابريرافي انتخابات الرئاسة عام 2019 على 10,4 في المائة، وكان لذلك أثر إيجابي في تعزيز أداء اليسار.

لقد نجحت المرشحة اليسارية في طرح نفسها كممثلة للسكان الأصليين (الهنود الحمر)، الذين يشكلون قرابة نصف سكان البلاد.  واستطاعت اشغال الموقع الأول في ثلاث مقاطعات يشكل فيها السكان الأصليون الأكثرية، وكذلك في تصويت الجالية الغواتيمالية في الولايات المتحدة. في حين حصل حزبها في الانتخابات البرلمانية التي جرت في الوقت نفسه على مقعد واحد فقط.

إن الخلافات بين قوى اليسار والتقدم الرئيسة تعود إلى أن تعدديتها، كانت، في جانب منها، نتيجة لانشقاقات تنظيمية، مرتبطة ضمن أمور إلى أخرى، بظروف نضالها الصعب، لكن هذه الانشقاقات خلفت تقاطعات شخصية بين بعض قيادتها تحول دون سلاسة تحالفها على أساس بديل مشترك يلبي طموحات الأكثرية، ويملأ الفراغ القائم الذي تستفيد منه القوى الحاكمة في الحفاظ على سلطتها ومغانمها.

عرض مقالات: