صرح نائب رئيس مجلس السيادة السوداني محمد حمدان دقلو حميدتي قبل ايام انهم لن يسلموا الشرطة وجهاز الاستخبارات العامة الا لرئيس منتخب. والمقصود بهم طبعاً هو المكون العسكري بمجلس السيادة، الذي ستنتهي مدة رئاسته للمجلس في شهر نوفمبر المقبل. من جانبه سارع المكون المدني على لسان وزير شؤون  مجلس الوزراء خالد عمر يوسف، بوصف الخطوة انها خرق للوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية، وانها ستجد رداً حاسماً من المكون المدني.

ويجيء هذا التصعيد في اعقاب التوتر الذي ساد العلاقة بين المكونين بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة الاخيرة، التي حمّل رئيس مجلس السيادة البرهان ونائبه حميدتي المكون المدني مسؤوليتها، متهمينه بالتقاعس في تنفيذ شعارات الثورة. وهذا ما اعتبره المكون المدني ذرّا للرماد في العيون، لان الجانب الامني هو مهمة المكون العسكري، وهو الذي يتحمل مسؤولية الاشراف على القوات النظامية.

وأدى تبادل المكونين الاتهامات الى القطيعة بينهما داخل مجلس السيادة، الذي تعذر عليه الاجتماع بمكونيه عقب تصريحات لعضوه المدني محمد الفكي اعتبرها العسكريون ماسة بكرامتهم. فيما اشترط حميدتي للجلوس معا مرة اخرى تحقيق وفاق وطني. واتهم الحكومة بانها مختطفة من قبل اربعة احزاب، وهو نفس الاتهام الذي كرره البرهان عدة مرات، كما انه لا يختلف عما ظلت تردده عناصر النظام السابق.

وتعتبر هذه المرة الاولى التي يتخذ فيها المكون المدني موقفاً حاسماً من خرق المكون العسكري للوثيقة الدستورية، التي ظلت تتعرض للتجاوز منذ التوقيع عليها. فقد سبق للمكون العسكري ان اختطف ملف السلام، وقام بتكوين مجلس للسلام متجاوزاً ما نصت عليه الوثيقة الدستورية من تبعية الملف لمفوضية السلام التابعة للجهاز التنفيذي برئاسة رئيس مجلس الوزراء، ولم يحرك المكون المدني وقتها ساكناً. بل وهرول بعض اعضائه الى جوبا عاصمة دولة جنوب السودان، التي رعت اتفاق سلام جوبا حيث قام الجنرالات بتمثيل الحكومة. هذا فضلاً عن ان تحالف الحرية والتغيير كان قد وقع اتفاقاً مع المكون العسكري، يسلب  مجلس الوزراء كل ادوات السلطة ممثلة في الاجهزة العسكرية والامنية والعدلية. وهذه التنازلات اقدم عليها المكون المدني وهو في موقع قوة، بعد مسيرة 30 يونيو المليونية التي اعقبت فض اعتصام القيادة العامة، والتي طالبت فيها الجماهير بمدنية السلطة. ولكن مفاوض الحرية والتغيير وضع كل هذه الهتافات خلف ظهره ووقع اتفاقاً معيباً مع العساكر، كان واضحا انه سوف يكبل خطى السلطة التنفيذية.

لذلك من المستغرب ان يختار الجانب المدني المواجهة مع العساكر في وقت قويت فيه شوكتهم، ووجدوا لهم حاضنة سياسية غير معلن عنها، من فلول النظام السابق والادارة الاهلية وبعض من شقوا عصاة الطاعة على الحرية والتغيير، ودخلوا في تحالف جديد اعلنوا من خلاله تأييدهم للرئيس البرهان، وطالبوه عبر لقاء قاعة الصداقة الاخير باصدار بيان، يقصدون به بيان انقلاب على السلطة. في حين تحملت السلطة المدنية كل تبعات القصور الاداري والاثار المترتبة على السياسات الاقتصادية، مما اضعف كثيراً رصيدها الجماهيري.

 ومع تدهور الوضع الامني والمعيشي، لم يعد الشارع متحمساً لحكم مدني اكثر من بحثه عن نظام يحقق الامن والاستقرار، ويوفر السلع الغذائية باسعار يستطيع المواطن ان يشتريها.

ولذلك يتوقع ان يتم تقديم تنازلات متبادلة ، خاصة وان القائد القبلي محمد الامين ترك الذي يخنق الخرطوم من جهة الميناء الوحيد في البلاد ويقطع الطريق الموصل اليها لم يخف تعاطفه مع العساكر، وقد اعلن انه لن يتفاوض مع غيرهم. بل وذهب ابعد من ذلك بان طالب باستقالة حمدوك وحل الحكومة والغاء الجمارك، كشرط لرفع الحصار عن الميناء وفتح الطريق اليه. مما يشير الى ان نزاع الشرق الذي تطاول امده ورغم عدالة القضية التي اعترفت بها الحكومة، الا انه دخل على خط الصراع بين المكونين المدني والعسكري وهو يحمل بعض اجندة النظام السابق.

لذلك خاطب مجلس الوزراء المكون العسكري بضرورة التنسيق والعمل المشترك، من اجل احراز تقدم في قضية الشرق. وكان محمد الامين ترك قد اعلن من قبل بانه سوف يرفع الحظر عن الميناء اذا خاطبه البرهان او حميدتي.

عرض مقالات: