في شباط الفائت زارت المقررة الخاصة للأمم المتحدة ألينا دوهان فنزويلا، وبعد 12 يوما تفقدت خلالها المستشفيات والمدارس، والتقت بمسؤولين حكوميين وممثلين عن الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والقطاع الخاص والكنيسة والمنظمات غير الحكومية. وقدمت خلال أعمال الدورة 48 لمجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة، المنعقد في 15 أيلول الفائت، تقريرا نهائيًا أوضحت فيه النتائج السلبية للعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على الشعب الفنزويلي. وأكدت الخبيرة المستقلة مرة أخرى أن العقوبات بعيدة المدى ضد فنزويلا لها آثار “مدمرة” على الظروف المعيشية لجميع السكان.

وأشارت إلى أن “العقوبات القطاعية ضد صناعات النفط والذهب والتعدين” و “الحصار الاقتصادي وتجميد أصول البنك المركزي”، أدت إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية القائمة في فنزويلا.

وأضافت أن التهديد بفرض عقوبات على عدم المتجاوبين مع الحصار، أدى إلى “إفراط امتثال البنوك وشركات الدول الثالثة”، مما زاد من الآثار السلبية للعقوبات. إضافة إلى أن „الاستثناءات الإنسانية للتخفيف من الأزمة غير فعالة وغير كافية”. وتستنج أن التفرد في العقوبات ضد فنزويلا تأتي بدوافع سياسية، وتنتهك حقوق الإنسان الأساسية وتنتهك القانون الدولي. ودعت الولايات المتحدة وحلفاءها إلى رفع جميع الإجراءات القسرية.

وأشادت دوهان بـ “الالتزام المتزايد” من جانب الحكومة الفنزويلية بالتعاون مع منظمات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية لتقديم المساعدات الإنسانية للسكان.

وتلقت دعوة دوهان برفع الحصار دعما من مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ورئيسة وزراء تشيلي السابقة ميشيل باشليت. في 15 أيلول الفائت، أصدرت أكثر من 800 منظمة حقوقية وحركة اجتماعية بيانًا يؤيد الدعوات الأخيرة لرفع العقوبات.

وتخضع فنزويلا، منذ عام 2017 لعقوبات أمريكية جائرة، استهدفت أولا شركة النفط الوطنية. وفرضت بعدها وزارة الخزانة الأمريكية حظراً نفطياً وحظراً شاملاً على جميع أنواع الأعمال التجارية مع كاراكاس، وحظرت استيراد المواد المخففة، وكذلك مقايضة (النفط الخام بالديزل). وفرضت واشنطن عقوبات ثانوية، وجمدت وصادرت الأصول الفنزويلية في الخارج. وفي هذا السياق يأتي رفض البنك الدولي منح فنزويلا حصتها، البالغة 5,1 مليار دولار، أسوة بالبلدان الأخرى، في إطار المعونات المقرة لمواجهة وباء كورونا.

آثار كارثية

يشير التقرير إلى أزمة غذائية، لانخفاض الغذاء المتوفر بنسبة 70 في المائة، وإلى تأثير مباشر على أكثر من 2,5 مليون مواطن، وبحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، زادت نسبة سوء التغذية والجوع المزمن بنسبة 213 في المائة، فضلا عن انخفاض القدرة الشرائية للعمال، بحيث لا تغطي 2 في المائة من السلة الغذائية.

وأدى منع شراء الأدوية إلى فقدان بلازما الدم لـ 2,5 مليون مريض، وتعطيل علاج وإجراء عمليات جراحية لأكثر من 200 ألف آخرين. وحرم 2,6 مليون طفل من اللقاح اللازم ضد الأمراض السارية المعروفة. وتوقف علاج 80 ألف من أصل 120 ألف من المصابين بمرض “الإيدز”. وأصبحت 80 في المائة من معدات المستشفيات عاطلة، وبحاجة إلى تحديث.

ووجدت دوهان أن جميع الخدمات العامة تعمل بنصف طاقتها. وإن 50 بالمائة من إمدادات المياه تعمل، و “كان لابد من توزيع المياه بالتناوب لضمان تزويد الجميع”. وتم تقليل استخدام العوامل الكيميائية لمعالجة وتنقية المياه بنسبة 30 في المائة، مما أدى إلى مشاكل صحية. وإن فنزويلا “تنتج 40 في المائة فقط من الكهرباء التي تحتاجها وأن خطوط الكهرباء تعمل بأقل من 20 في المائة من طاقتها”. وافرد التقرير حيزا لانعكاسات نقص البنزين والديزل على جميع تفاصيل الحياة اليومية والإنتاجية.

وأدى انخفاض التمويل الحكومي لشراء وإصلاح البنية التحتية إلى محدودية تغطية الإنترنت، حيث أفادت التقارير أن 10 في المائة فقط من الأراضي لا تزال متاحة. قبل العقوبات كانت هذه النسبة تتراوح بين 50 و90 بالمئة. إن ارتفاع تكاليف الإنترنت ونقص الطاقة المستمر قد أثر على التدريس الالكتروني منذ اندلاع الوباء. ووفقًا لباحثين جامعيين، فإن نحو 80 بالمائة من طلاب المدارس الحكومية لا يمكنهم التغلب على هذه الصعوبات.

وأدى تشديد العقوبات إلى معدلات هجرة غير مسبوقة، تراوحت وفق تقديرات رسمية وغير رسمية ما بين 1,2 – 5,6 مليون مواطن، أكثرهم من الكفاءات العلمية والمهنية، خسر بموجبها القطاع العام 30 – 50 في المائة من كفاءاته. ونتج عن ذلك “فوضى داخلية، وزيادة عبء العمل لبقية الموظفين، وانخفاض الخدمات وتدهور الجودة”.

وعلى الرغم من إشادة التقرير في أكثر من موقع بإجراءات الحكومة للحد من الضرر عبر البرامج المدعومة حكوميا في التغذية والخدمات الصحية والقطاعات الأخرى، إلا أن هذه الجهود تبقى غير قادرة على التخفيف الجدي من الأزمة، في بلد تستهدفه المحاولات الانقلابية، والتدخلات العسكرية، ويعمل فيه الرأسمال المحلي المتحالف من الغرب، بشكل ممنهج، على تهريب المواد مدعومة الأسعار والعملة الصعبة إلى خارج الحدود.

عرض مقالات: