منذ بداية أيلول تسارعت احتجاجات الفلاحين في الهند مرة أخرى. وتأتي عودة عشرات الآلاف إلى الشوارع في محيط العاصمة نيودلهي، ضد إصرار حكومة اليمين القومي الهندوسي على سياستها، وضد ثلاثة قوانين زراعية جديدة. وكانت الحركة الاحتجاجية قد احتفلت بالذكرى الأولى لانطلاقتها في نهاية آب، بتنظيم تجمع وطني رمزي، لمدة يومين، شارك فيه قرابة 1500 ممثل للفلاحين والعمال والمنظمات الشبابية والطلابية والنسوية.  ويعد جمع هذه الشرائح في فعل احتاجي مشترك، واحد من الإنجازات العظيمة للحركة الاحتجاجية، التي تعد الأطول في تاريخ الهند.

لم تنجح، حتى الآن، المفاوضات بين المحتجين والحكومة المركزية. وانتهت أكثر من عشر جولات منها دون نتيجة تذكر. وتركز مطالب المحتجين على سحب القوانين الزراعية الثلاثة، وكذلك مطالبة الفلاحين السنوية المتكررة بضمان حد أدنى لأسعار شراء المحاصيل. وعلى الرغم من الاحتجاجات الكبيرة، كان رفع أسعار الشراء هذا العام محدودا جدًا، حيث بلغ لمحصول القمح الموسمي المهم 2 في المائة فقط.  ويعكس هذا مدى إصرار الحكومة على عدم طمأنة مخاوف الفلاحين. لذلك ليس من المستغرب أن تتسع الاحتجاجات في العديد من الأماكن، وتكتسب قوة مرة أخرى، وتشير التقارير الإعلامية، بشكل خاص إلى ولايات البنجاب وهاريانا وأوتار براديش، حيث تتمتع الحركات الفلاحية والنقابية الكبيرة بتقاليد عريقة.

وبررت الحكومة سياستها، بانها تمكن الفلاحين من بيع منتجاتهم مباشرة لتجار الجملة خارج الأسواق التي تنظمها الدولة. وبالتالي سيتحرر الفلاحين من القيود، وسيتمكنون من الحصول على أسعار أفضل.

ويرى الفلاحون أن الأمر مختلف تمامًا. ويعتقدون أن القوانين الجديدة تؤثر سلبا على معيشتهم، ولا تترك لهم سوى القليل من القدرة على مساومة تجار المفرد الكبار ومصنعي الأغذية.

أدى قمع الشرطة المباشر والموثق في هاريانا، إلى وفاة أحد المتظاهرين يوم 29 آب. ونشر مقطع فيديو يظهر مطالبة أحد ضباط الشرطة بـ “بتهشيم رؤوس”، إذا حاول المتظاهرون اختراق الحواجز. وفي 2 أيلول، نقلت الحكومة الضابط و19 آخرين، دون توجيه أية تهم إليهم أو إيقافهم عن العمل. لقد أدى ذلك إلى اشتعال الاحتجاجات في الولاية مجددا، ومع استمرار قمع الشرطة، عقد المتظاهرون جلسة عامة كبيرة لبدء المرحلة الثانية من احتجاجات الفلاحين، ووفق تصريح كريشنا براساد، زعيم اتحاد الفلاحين لعموم الهند الماركسي، لوسائل اعلام محلية: “نريد توسيع الاحتجاجات لتشمل جميع انحاء الهند”.

وفي الخامس من أيلول، ووفق ما أعلنته الشرطة، شهدت إحدى مناطق ولاية أوتار براديش، ذات الأكثرية الهندوسية، والأكثر اكتظاظا بالسكان، والتي يبلغ عدد سكانها أكثر من 204 مليون، وفق إحصاء عام 2012، مسيرة شارك فيها قرابة نصف مليون متظاهر، وهي الأكبر منذ اندلاع حركة الفلاحين الاحتجاجية. ونظم المسيرة اتحاد بهاراتيا، وهو اتحاد يتكون في الأساس من مزارعين وعمال، ذو طبيعة وطنية علمانية جامعة، تعرض في السنوات الأخيرة إلى ازمة داخلية، عندما اندلعت أعمال شغب بين الهندوس والمسلمين في المنطقة. أدت إلى خروج غلام محمد جولا أحد مؤسسي الاتحاد المسلمين، الذي عاد إلى صفوفه مجددا. لقد قام حزب رئيس وزراء الهند القومي اليميني الهندوسي، الذي يقود حكومة الولاية أيضا، بالتحريض على أعمال الشغب العنصرية. وقال راكيش تيكيت، وهو زعيم فلاحي بارز، إن التظاهرة ستعطي دفعة جديدة لحركة الاحتجاج. وأضاف “سنكثف احتجاجنا بالذهاب إلى كل بلدة في ولاية أوتار براديش لإيصال رسالة مفادها أن حكومة مودي معادية للفلاحين”.

وتكتسب الاحتجاجات في الولاية أهميتها، لان رئيس وزرائها اليميني المتطرف، يوغي أديتياناث، هو أحد القيادات المهمة في حزب رئيس وزراء الهن مودي، ومسؤول عن ملف القوانين الزراعية الجديدة. بالإضافة إلى أن الولاية ستشهد انتخابات في بداية العام المقبل. وأعلن المتظاهرون أنهم سيواصلون احتجاجهم حتى هزيمة رئيس وزراء الولاية في الانتخابات المقبلة: “علينا تجاوز السياسات الانقسامية لهذه الحكومة”. وان: “رسالتنا واضحة للغاية. إما أن تلغي القوانين أو عليك أن تتحمل الهزيمة في انتخابات الولاية ولهذا تمثل هذه الاحتجاجات أكثر من تحد لحكومة رئيس الوزراء الهندي.

تمثل الزراعة واحدا من أهم القطاعات الاقتصادية في الهند، حيث تغذي ما يقرب من نصف سكان البلاد البالغ عددهم أكثر من 1,3 مليار نسمة وتساهم بنحو 15 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي للبلاد.

عرض مقالات: