خضع سودان ما بعد الثورة الى وصفة الاصلاح الاقتصادي للمؤسسات المالية الدولية، وقام بتطبيقها الى الدرجة التي جعلته محل اشادة من جانب مؤسسات التمويل. 

فقد اشاد اجتماع مشترك للبنك وصندوق النقد الدوليين بالخطوات التي اتخذها السودان، واوصلته الى النقطة التي تجعله مستحقا تلقي القروض والمنح. واثمرت هذه السياسة انسيابا للتدفقات المالية عليه، والتي يتوقع ان تتجاوز 4 مليارات دولار بنهاية هذا العام، جلها منح ودعومات من صندوق النقد الدولي وبنك التنمية الافريقي وبريطانيا ودول نادي باريس. الى جانب اطفاء في الديون قد يقلصها من 57 الى 6 مليارات دولار، تتم جدولتها على فترات طويلة.

لكن هذا التمويل السخي ارتبط باشتراطات عديدة، أوفى السودان ببعضها وتراقب تلك المؤسسات تنفيذه ما تبقى، مثل حزمة الدعم الاجتماعي وخفض الفقر. وهي الخطوة التي لم تتقدم فيها حكومة الفترة الانتقالية كثيراً. لانها اعتمدت على مشروع (سلعتي) الذي يتضمن القاء الجمارك على عدد من السلع الاستراتيجية. وبرنامج (ثمرات) لدعم الاسر الفقيرة الى جانب التعاون. ويشتكي ناشطون في الولايات، خاصة التي تتجدد فيها النزاعات مثل اقليم دارفور، من ان فقراءها لم يحظوا بدعومات الا مرة واحدة طوال حكم السلطة الحالية.

وتكمن خطورة هذا التوجه في كون برنامج التحول الديمقراطي وتثبيت دعائم السلام كبرنامج يراهن عليه المجتمع الدولي في تحقيق الاستقرار، يعتمد بشكل اساسي على برنامج الاصلاح الاقتصادي، في بلد ترتبط فيه اسباب النزاع بغياب التنمية ويشكو من الفقر المزمن وتوريثه. 

واعتبر مشاركون في الملتقى الذي اقامته منظمة شركاء التنمية بالخرطوم نهاية الشهر الماضي، ان الحكومة بلا برنامج ولا حتى رؤية اجتماعية. وان برنامج (ثمرات) الممول من الخارج باكثر من 800 مليون دولار، لا يسهم بأية حال في تخفيف حدة معاناة جماهير الفقراء، الناجمة عن رفع الدعم وتوحيد سعر الصرف للعملات الاجنبية. كما ان تطبيقه يعتمد على الاوراق الثبوتية مثل الرقم الوطني، وهي ثقافة ليست شائعة في الاوساط الشعبية، وتحتاج الى جهد من قبل ادارة السجل المدني في وقت تتقاعس فيه الشرطة عن حسم الانفلاتات الامنية داخل المدن وبضمنها الخرطوم التي شهدت  اضطرابات كبيرة الاسبوع الماضي بمنطقة سوبا.

وتقل الاوتاد في ظل تكاثر الزعازع، فالسودان فيه الان اكثر من ثمانية جيوش هي قوات الحركات التي كانت ترفع السلاح في وجه الحكومة. الى جانب الجيش النظامي وقوات الدعم السريع، وانتشار السلاح بسبب الحرب الاهلية التي توقفت على المستوى الرسمي، وتواصلت على الصعيد الشعبي.

تقول الحكومة انها بصدد اصلاح الضرائب وزيادة دخلها من الانتاج المباشر هذا العام، حيث استطاعت ان تزرع كل المحاصيل الصيفية بما فيها مليون فدان من القطن، مما يشكل تقدما كبيرا بالمقارنة مع الاعوام الماضية. ولكن تقابلها مشاكل التخزين والتصدير.  فالصادرات السوادنية ما زالت غير مطابقة للمواصفات العالمية، لهذا يرجع بعض بواخر الصادرات الى مرافي ميناء بورتسودان، بعد ان يتم رفضها في السوق العالمية.

 وتعول الحكومة على هذه الخطوات بحسب تصريح لرئيسها أخيرا، في بلد تتجاوز العطالة فيه 60 بالمائة، ما يعني ان اكثر من نصف المجتمع السوداني عاطل عن العمل.

في المقابل تعجز الدولة عن حشد مواردها الذاتية، فهي بلا قانون للضرائب، وبعض القوانين تمنع ملاحقة المؤسسات الحكومية قضائياً، وبضمنها مؤسسات كبيرة لا تدفع الضرائب وتفلت من العقوبة. وينظر  بعض النخب الموالية للسلطة الي موضوع تعبئة الموارد الذاتية بعين السخرية، ويركز على الدعم الدولي. مع ان موارد البلاد تغني عن هذا الدعم، المشروط باثمان سياسية باهظة.

عرض مقالات: