تتحدث الأنباء عن سيطرة طالبان على آخر معقل للمعارضة في ولاية بنشير، مع  ضيق مساحة التوقعات لمستقبل البلاد، ويبدو واضحا أن أفغانستان ستبقى إمارة إسلامية، مع فارق بسيط هو مباركة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لحكومة طالبان، وتحول البلاد إلى ميدان لحرب المصالح بين مراكز الهيمنة العالمية، أي بين أقطاب المعسكر الغربي، ومنافسيه في روسيا والصين، دون اهمال القوى الإقليمية مثل ايران وتركيا. ومع تسارع الأحداث والكم الهائل من الأخبار والتقارير والتحليلات المختلفة بقيت الأصوات التقدمية واليسارية محدودة المساحة في امبراطوريات الإعلام العالمية.

جريدة “نويزدويجلاند” (المانيا الجديدة) نشرت حوارا مطولا مع ناشطات من “الجمعية الثورية للنساء في أفغانستان” تضمن تصورات لنساء يواصلن نضالهن السري والعلني في بلاد يحكمها السيف وتسير نحو المجهول.

من أجل مقاومة حقيقية

واقع النساء في أفغانستان صعب جدا، لذلك لا نتوقع منهن تصدر مقاومة مسلحة.  تنتشر الأمية في أوساط النساء بشكل كبير جدا، وهناك ضعف واضح في الوعي السياسي، واعتماد اقتصادي مطلق على الرجال، وغياب المشاركة المؤثرة في الحياة السياسية والاجتماعية، وبالتالي فالنساء يكاد يكن غير مرئيات في المجتمع. وضعهن في العاصمة أفضل من الأرياف حيث يولدن ويموتن في المنازل، وحتى عند دفنهن يسجلن باسم أحد ذكور العائلة.

وترى الناشطات أن انتفاضة النساء، مسلحة كانت، أو غير مسلحة، لا يمكن أن تكون مؤثرة إلا إذا جاءت من قلب المجتمع، ومدعومة من الرجال المضطهدين، ومصحوبة بتعبئة سياسية لنساء متفاعلات مع العالم الخارجي. لو وجدت مثل هذه المقاومة النسوية، لما تجرأت حركة طالبان أو غيرها من القوى المتعصبة على الاستيلاء على السلطة، لأن ذلك سيؤدي إلى انتفاضة جديدة ضد الأصولية.  لقد وجدت محاولات شجاعة تقدمية من قبل النساء، لكن يجب التمييز بين المقاومة الحقيقية وعمليات الاستعراض.

استولت طالبان على السلطة في أفغانستان تقريبًا دون قتال - لكن التقارير عن ارتفاع عدد الضحايا المدنيين جراء عنف طالبان في العديد من مقاطعات البلاد، ظلت بعيدة عن وسائل الإعلام. لقد كتب الكثير من قوى اليسار والتقدم، خلال العشرين سنة الماضية، أن الولايات المتحدة لم تكن في أفغانستان للقضاء على الإرهاب أو الأصولية. وكان من الواضح تماما أن نهاية الاحتلال العسكري لا يمكن أن تكون ناجحة ومناسبة للفرح.

الحكومات الغربية قدمت الدعم العسكري للجهاديين، وخلقت أرضية لفساد غير مسبوق، وحولت أفغانستان إلى دولة مافيا ومخدرات، ومكنت الارهابيين من خلال مبيعات الأسلحة، والعمليات الإرهابية ضد المدنيين العزل، من السخرية من القيم الأساسية، كالديمقراطية وحقوق المرأة.

ولكن الجريمة الأكبر كانت تعزيز قوة طالبان الإرهابية، واعطاها الفرصة لاحتلال كابول ثانية، بعد توقيع اتفاقية معها، والإفراج عن جميع أسراها، ورفع أسماء قادتها من قوائم الأمم المتحدة الخاصة بالإرهاب، وتوفير جميع الوسائل الممكنة والشرعية الدولية عبر كوميديا ما يسمى بـ „محادثات السلام”. لا يزال المتحدثون باسم طالبان يتجنبون الخطاب العدواني تجاه النساء. لكن شوارع البلاد تكاد تخلو من النسوة، وجميع النساء ترتدي الحجاب تعبيرا عن الخوف، وتم الفصل بين الجنسين في المدراس ومنعت النساء من ممارسة مهنة التعليم.  الكثير من الناس يشعرون وكأنهم يعيشون في مدينة ميتة. الهمس الوحيد الذي يمكنك سماعه هو عن إمكانية الفرار. حتى لو تظاهر الطالبان بأنهم ليسوا ضد المرأة، فإنهم يولون أهمية كبيرة لتطبيق الشريعة. في عام 2021 وحده، قتلت طالبان العديد من الناشطات البارزات، والعاملين في المجال الإنساني، وضباط الشرطة، وأفراد الجيش والقضاء، والعاملين في مجال الصحة والتطعيم، والصحفيين، والإعلاميين.

صعوبات غير مسبوقة تواجه اليسار الأفغاني

عندما تكون الحكومات الرجعية في السلطة في أفغانستان أو أي بلد آخر، فإن الوضع بالتأكيد ليس مثاليًا للجماعات التقدمية واليسارية. ومع ذلك، فإن الواجب التاريخي للقوى الثورية هو العمل والنضال في ظل أكثر الظروف صعوبة. ستواصل القوى التقدمية واليسارية بالتأكيد العمل في أفغانستان والتعلم من الماضي لليسار المجيد.

لقد عانى اليساريون والتقدميون حتى قبل وصول الجهاديين إلى السلطة، بسبب صراعاتهم الداخلية والجمود الفكري، والممارسات الاستبدادية التي سادت سنوات الصراع على السلطة. ثم أصبح العديد من الشخصيات اليسارية المعروفة والقادة والناشطين، منذ بداية التسعينات ضحايا للأصوليين.  لقد كان للقادة الجهاديين معسكراتهم الخاصة ومراكز تدريبهم وسجونهم التي وسعتها وكالة الاستخبارات الباكستانية ومولتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وعلى الرغم من ذلك يواصل اليسار نضاله في ظروف لا توصف بصعوبتها.

التضامن الأممي سلاح استثنائي

إن نضال قوى اليسار والتقدم بحاجة إلى تضامن أممي واسع، للحد من الاعتراف الدولي بحكومة طالبان.

تزعم وسائل الإعلام السائدة أن طالبان استعادت السلطة لأن الشعب الأفغاني يقف وراءها، لكن هذه كذبة صريحة. الصور المروعة الأخيرة من مطار كابول، لأشخاص معلقين على الطائرات، تثبت أن الناس لا يريدون أن يعيشوا مضطهدين من قبل طالبان. إنهم يفضلون الموت على العيش في الجحيم.

عرض مقالات: