أرجع مجلس الامن ملف سد النهضة  الي الاتحاد الافريقي، باعتباره قضية داخلية يجب ان تحل في الاطار الاقليمي. ويبدو ان الدبلوماسيتين السودانية والمصرية، خاصة الاخيرة، لم تضعا في الحسبان التطورات العالمية وعلى رأسها وصول الديمقراطيين للحكم في الولايات المتحدة. وذلك رغم التصريحات التي سبقت الانتخابات الامريكية حول عدم نية الادارة الجديدة معاملة القيادة المصرية بنفس الطريقة التي كانت تتبعها ادارة ترامب. كما ان القضية تحولت من اهتمام رئاسي الي وضعها الطبيعي كقضية اقيلمية، يمكن لامريكا ان ترعاها بواسطة وزارة الخارجية وفي اطار الاتحاد الافريقي، شانها شان اية قضية خارجية.

اما الاتحاد الاوربي فكان واضحاً ميله في هذا الملف الى الجانب الاثيوبي، حيث ان عددا من الشركات الاوربية يستثمر في مشاريع مرتبطة بسد النهضة.

هذه الحقائق لم تهتم بها الدبلوماسية السودانية والدبلوماسية المصرية وهما تتوجهان صوب مجلس الامن، في الوقت الذي كانت تشير فيه كل المعطيات الى ان المجلس لن يتخذ غير الموقف الذي اتخذه في جلسته الاخيرة، التي دعت اليها تونس لمناقشة قضية السد ومسألة احالتها للاتحاد الافريقي، وهو كيان اقليمي  للاوربيين والديمقراطيين في امريكا سيطرة كبيرة عليه، ومن المتوقع ان يساند الموقف الاثيوبي.

ومن المفارقات الغريبة ان تونس التي تنشط في حل القضية بموقف مساند لمصر والسودان، اتهمها اعضاء في مجلس السيادة السوداني هي وتركيا بدعم منصات تستهدف الدولة السودانية. مما يؤشر التضارب الكبير في السياسة الخارجية السودانية.

وبعد ان انكشف الموقف الدولي الواضح لأي متابع لهذا الملف، ولكنه للاسف غائب عن تقديرات الدبلوماسيتين السودانية المصرية، جن جنون الاخيرة.. فطارت في اتجاهين انتهي احدهما في بروكسل حيث حطت طائرة وزير الخارجية المصري، لاجراء مزيد من الحوار مع قادة الاتحاد الاوربي. فيما اتجهت وزيرة الخارجية السودانية نحو موسكو في رسالة الى الدول الغربية، خاصة بعد تصريحاتها الاخيرة بان السودان ربما يعيد الحوار  حول موضوع القاعدة الروسية في البحر الاحمر. وهذا رغم انها المحت الى ان هذه قضية لا بد ان يناقشها المجلس التشريعي الذي تعطل تكوينه، وصارت مهامه في التشريع واصدار القرارت يقوم بها اجتماع مشترك بين مجلسي السيادة ومجلس الوزراء.

لكن موسكو التي استقبلت الوزيرة السودانية واستمعت الى حديثها، كان وزير دفاعها يوقع في نفس الوقت اتفاقاً عسكرياً لتأهيل الجيش الائيوبي، في رسالة الى السودان مفادها ان الكرملين لا يشتري الكلام دون التقدم على ارض الواقع.  علما ان الخطوة من جانب اديس ابابا جاءت كرد عملي على مناورات نسور النيل، التي نفذها الجيشان المصري والسوداني في منطقة “مروي” شمالي البلاد.

امام هذا الفشل الصريح للدبلوماسيتين السودانية المصرية يبدو ان تحولات مهمة قد طرأت على الموقف السوداني وان مؤسسة الرئاسة اخذت بزمام الامور. حيث صرح رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان الذي زارت بلاده ممثلة الاتحاد الاوربي، ان حكومته ترى في التفاوض الطريق الاوحد لحل الملف، وان بلاده لا تسعى لزعزعة الامن والاستقرار في المنطقة. فيما اكد وزير الري السوداني ان الخرطوم تصر على اطلاعها على المعلومات المتعلقة بالسد، وان يكون ذلك حقا وليس هبة  تقدمها اديس ابابا او تمنعها.

من جانبها مضت اثيوبيا  في استثمار النصر الذي تحقق لها على الصعيد الدبلوماسي، واعلنت ان مرحلة الملء الثانية للسد سوف تتم قبل الفترة المحددة لها، نظرا الى ارتفاع منسوب الامطار في الهضبة الاثيوبية.

ويبدو ان اديس ابابا تفرض سياسة الامر الواقع على الدولتين، وعلى الجهات الراعية للمفاوضات التي ستبدأ حين يكون السد قد اكتمل واصبح واقعاً. ولن يسهل على مصر تنفيذ تهديداتها، التي ستجد الرفض من الدول الافريقية والمجتمع الدولي.

عرض مقالات: