كولومبيا رسميا، جمهورية دستورية تتكون من 32 إدارة لا مركزية، تقع في الجزء الشمالي الغربي من قارة أمريكا الجنوبية. تمتلك سواحل في الشرق على البحر الكاريبي، وفي الغرب على المحيط الهادي. تمتاز بتنوع بيئي، وتنوع اثني ثقافي، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 49 مليون نسمة.

منذ 28 نيسان تجتاح البلاد احتجاجات شعبية واسعة تواجه من قبل الحكومة بالعنف والقتل والتغييب، وتتزايد جرائم القتل السياسي، والفساد وتفاقم الفقر، وغياب فرص العمل، فضلا عن تداعيات أزمة كورونا الكارثية.

ترتفع صيحات الشبيبة المنتفضة “الحكومة تقتلنا”، في مواجهة القمع المتواصل. ابتدأت الاحتجاجات الحالية بدعوة الاتحادات النقابية إلى الاضراب العام، تدفق الناس ليلا إلى الشوارع، وأقاموا المتاريس، أجابت الشرطة بأطلاق الرصاص، أملا بإرهاب المحتجين.

البدايات

تعود البدايات الأولى إلى تشرين الثاني 2019، حينها، دعت النقابات والحركات الاجتماعية ومنظمات السكان الأصليين والسود إلى الإضراب، وبمشاركة طلابية.. في ليلة الحادي والعشرين من تشرين الثاني، خلقت الحكومة أجواءً من الخوف. ونشرت شائعات عن جماعات مسلحة يقودها أجانب، تحاول اقتحام المنازل ونهبها، مبررة بذلك قمع أجهزتها الأمنية للسكان.

لقد كانت احتجاجات 21 تشرين الثاني 2019 أكبر احتجاجات تشهدها البلاد.  وحاول الرئيس السابق أوريبي وحزبه “المركز الديمقراطي” نزع الشرعية عن الإضراب، باتهام منتدى ساو باولو” لقوى اليسار في أمريكا اللاتينية بالوقوف وراءها، ه لزعزعة استقرار الديمقراطيات في أمريكا اللاتينية.

انطلقت الاحتجاجات الأخيرة ضد حزمة “الإصلاحات” الاقتصادية التي أصدرها الرئيس الجديد ايفان دوكي، والتي تضمنت خفض 75 في المائة من الحد الأدنى من أجور الشبيبة دون سن 25 سنة، و تسهيلات ضريبية مجانية لصالح الشركات الكبرى، وخصخصة الصناعات الأساسية والقطاع المالي، ورفع سن التقاعد وخصخصة صناديق التقاعد. فنزل الناس إلى الشوارع للمطالبة بتنفيذ معاهدة السلام مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) ومكافحة الفساد. وقدمت لجنة الإضراب الوطني 13 مطلبًا من بينها حل وحدات الشرطة الخاصة وإلغاء حزمة “الإصلاح”.

الشبيبة تقود الشارع

قاد الشباب إضراب 28 نيسان، هؤلاء الذين ليس لديهم فرصة للدراسة أو الحصول على عمل لائق. وُلد هذا الجيل خلال 40 عاما من الليبرالية الجديدة في كولومبيا، يعيشون بلا أحلام وبلا مستقبل. لقد كانوا يدافعون عن المتاريس بحياتهم. وقدموا غالبية الشهداء.

لدى هؤلاء أكثر من سبب للاحتجاج: عندما أرادوا الدراسة لم يكن ذلك ممكناً. عندما أرادوا العمل، لم يجدوا فرصا.  كان عليهم أن يكسبوا عيشهم بعمل غير قانوني، كتنظيف الزجاج الأمامي للسيارات في تقاطعات المرور، والتعرض المستمر للإهانة.  ليس لديهم تأمين صحي، ويفتقرون إلى كل شيء في المنازل. قال متظاهر شاب إنه لم يأكل قط كما أكل أثناء الإضراب. ولذلك فهم جيل لا يتخلى عن النضال من أجل التغيير ومن أجل حياة كريمة.

تهيمن الشبيبة، من أصول وشرائح مختلفة للغاية، على مسيرات الاحتجاج في كولومبيا، جمعيات الفنانين، منظمات النساء، جموع المدرسين والطلاب، ربات البيوت، ومشجعو كرة القدم، جماعات السكان السود والسكان الأصليون، والعاطلون عن العمل والعمال غير الشرعيين. البلد بأكمله يخرج إلى الشوارع. الحكومة تعرض عليه القمع والموت.

رد الحكومة

كان رد الحكومة إنزال الجيش إلى الشوارع، اغلاق الحدود، منح الحكومات المحلية سلطات استثنائية للحفاظ على “النظام العام”. مع تصاعد عنف السلطة، وتوالي تفاصيله، وسقوط أول الضحايا جراء إطلاق الرصاص من قبل الوحدات الخاصة، ازداد غضب السكان. وتصاعد أكثر بعد هجوم الجيش على قواعد حركة الأنصار اليسارية، التي كلفت وزير الدفاع منصبه. لقد سلط الهجوم العسكري الضوء على ما يسميه قادة الجيش بـ “الإيجابيات الخاطئة”، ويعنون بذلك عمليات التصفية دون غطاء قضائي، وهو أسلوب يهدف إلى تعزيز تفوق الجيش على حركة الكفاح المسلح. بالإضافة إلى ذلك، كان القتل المنظم لقادة الحركات الاجتماعية، ونشطاء الدفاع عن حقوق الإنسان، والمقاتلين السابقين في القوات المسلحة الثورية الكولومبية، والمذابح في مناطق السود والسكان الأصليين، وعمليات الإخلاء القسري، وقتل وتهديد النساء، سببا آخر للاحتجاجات.

وعلى الرغم من ذلك، يواصل الشبيبة النزول إلى الشوارع. ويبينون حجم المسلوب منهم، لقد انتصروا على خوفهم. والاحتجاجات سلمية وإبداعية وفنية. حاولت الشرطة نزع الشرعية عن الحركة من خلال التخريب وأعمال الشغب من أجل التقليل من شعبية السكان وتبرير استخدام القوة. هناك أكثر من دليل كاف على ذلك. أولئك الذين ينظمون الاحتجاجات اليوم يعرفون أن الحكومة تكذب، على الرغم من تراجعها عن “اصلاحاتها”، جراء ضغط الشارع، وسعة الإدانة العالمية.

عندما نتابع مسار الاحتجاجات في كولومبيا نحس اننا نتحدث، على الرغم من تباين الظروف التاريخية والثقافية عن انتفاضة تشرين العراقية.

عرض مقالات: