حالما اشتعلت نيران الصراع بين الحلفاء ـ الاعداء، الحزب الديمقراطي الاجتماعي بزعامة رئيسة الوزراء الشابة سانا مارين، وحزب الوسط بزعامة وزيرة الثقافة والعلوم أنيكا ساريكو، وهددت بانهيار الحكومة الحالية، حتى انبرى يوسي هالاــ أهو، زعيم حزب الفنلنديين اليميني المتطرف ليدلو بدلوه معلقا بكون ما يحصل ما هو إلا استعراض سياسي من قبل حزب الوسط انعكاسا للمشكلات الداخلية التي يمر بها!

ولأول مرة يجد المرء ما يتفق مع هذا الرجل الكاره لوجود الأجانب والمسلمين في فنلندا، والذي يبذل حزبه قصارى جهده لإسقاط حكومة يسارـ الوسط، التي تشكلت إثر الانتخابات الأخيرة في نيسان 2019 حيث نجحت قوى اليسار (الديمقراطي الاجتماعي، اتحاد اليسار، حزب الخضر، حزب الشعب السويدي) بضم حزب الوسط اليها بعد مفاوضات واتفاق على برنامج حكومي مشترك. ومن بعد مرور عامين، وكاستحقاق ضمن الأعراف الحكومية الدارجة يتوجب مراجعة برنامج الحكومة وتدقيقه، فوجدها حزب الوسط فرصة، لاستعراض العضلات والظهور بمظهر الحزب الحامي لحقوق الشعب، وتركزت اعتراضات حزب الوسط بشكل أساسي على نفقات الحكومة، وخصوصا النفقات في مجال الطاقة المتعلقة بتحسن المناخ، بالإضافة إلى سياسة التشغيل وتوفير فرص العمل. والطريف أن حزب الوسط سبق وقاد حكومة يمين ـ الوسط للفترة 2019-2015، التي قادت البلاد إلى معضلات اجتماعية واقتصادية عانى منها المجتمع الفنلندي خاصة ذوي الدخل المحدود، مما سهل فوز قوى اليسار في انتخابات 2019 وتشكيل الحكومة الحالية.

ويبدو أن الصراع، بين حزب الوسط والحزب الاجتماعي الديمقراطي، يتصاعد بين الحين والآخر، وكل منهما يتحين الفرص للبطش انتخابيا بالآخر، فلا ينس الديمقراطي الاجتماعي ما فعلته زعيمة حزب الوسط “أنيلي ياتينماكي” عام 2003، خلال الانتخابات البرلمانية، التي أعلنت نتائجها في آذار من نفس العام حيث حقق حزب الوسط نجاحا بارزا إذ لعب قادته “الورقة العراقية”، بدهاء فكانت سببا في ارتفاع نسب التصويت لصالح مرشحيه، فحصد العدد الأكبر من مقاعد البرلمان. والنصر الذي حققه حزب الوسط جاء بفضل مناظرة تلفزيونية، على الهواء مباشرة، حيث فاجأت، السيدة “أنيلي ياتينماكي”، رئيس الوزراء الاسبق وزعيم الحزب الاجتماعي الديمقراطي، السيد “ بافو ليبونين “، بأنها تعرف الكثير عن اجتماعه مع الرئيس الأمريكي “جورج ديبليو بوش”، والوعود التي قدمها بضمان مساندة فنلندا للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وأيضا حملتهم العسكرية على العراق، واتهمته بتوريط فنلندا بالموافقة على سياسة الحرب الأمريكية، وبشكل مخالف لسياسة فنلندا الخارجية السلمية، وموقفها الذي يجب أن ينسجم مع سياسات الاتحاد الأوربي، والداعي إلى حل الأزمة العراقية من خلال الأمم المتحدة وبالطرق السلمية. لم يسكت الحزب الاجتماعي الديمقراطي عن الأمر، فتوصل إلى كون المعلومات تم الحصول عليها بطريقة غير قانونية، وتسربت من مكتب رئاسة الجمهورية، حينها  أجبرت زعيمة حزب الوسط على الاستقالة من رئاسة الحكومة، بل ومن زعامة حزبها، وجاء في محلها وزير المالية الحالي “ماتي  فانهانينين”، الذي وبعد فوز حزبه بانتخابات عام 2007 ورئاسته للحكومة، أثيرت حملة صحفية عام 2010 ، أكدت فيها المعلومات، كونه خلال رئاسته رابطة شباب حزب الوسط (1980 ـ 1983)، استغل منصبه واستخدم مواد بناء تعود إلى مؤسسة دعم الشباب لبناء بيته، وايضا تتالت فضائحه النسائية، واصبح ضيفا دائما في صفحات الفضائح، بحيث أن إحدى عشيقاته حققت الشهرة والثراء من كتاب فضاحي عن علاقتها به ضمنته رسائله اليها، فتوجهت اليه بشدة نيران الانتقادات من مؤسسات تربوية وكنسية وسياسية، باعتباره شخصية اعتبارية ويجب ان تكون مثالا وقدوة حسنة، فاضطر لترك رئاسة الوزراء للسيدة ماري كيفينمي .

في الانتخابات الأخيرة ، 2019، شكل زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي الحكومة، بمشاركة حزب الوسط، وسط توقعات عن أزمات قادمة، وكونه سيلعب دور حصان طروادة، وحصل الأمر بعد عدة شهور، اذ استغل حزب الوسط الشريك في الحكومة، إضرابات عمال البريد ليشكك في مصداقية أداء رئيس الوزراء السابق أنتي ريني، وطريقة معالجته لأزمة الاضراب، فأضطر للتنحي عن منصبه، في مناورة ذكية لتجنب سحب الثقة من الحكومة والذهاب لانتخابات مبكرة، الطريف أن من جاء بعد رينيه هو سانا مارين، التي غزا اسمها وصورها واجهات وسائل الاعلام في كل دول العالم باعتبارها اصغر رئيسة وزراء في العالم، حيث كانت تبلغ يومها 34 عاما، فكانت شخصيتها سببا لارتفاع الدعم والتأييد لحزبها والحكومة التي تقودها. ولم تمر شهور حتى رد الديمقراطي الاجتماعي على رئيسة حزب الوسط أيامها، كاتري كولمني، التي شغلت في الحكومة حقيبة وزارة المالية، وكانت نائبا لرئيس الوزراء حسب الأعراف الفنلندية، وتم الإطاحة بها أثر كشف وسائل الاعلام لإنفاق زعيمة حزب الوسط للأموال العامة على أغراض استشارات إعلامية اعتبرت شخصية، فقاد ذلك إلى استقالتها من الحكومة ومن رئاسة حزبها الذي عقد مؤتمرا ليأتي برئيس جديد هو أنيكا ساريكو، وزيرة الثقافة والعلوم، الحالية، والتي رغم ان البعض يضعها في يسار حزب الوسط، وعرف عنها مواقفها غير المتشددة في قضايا الهجرة واللجوء، إلا أن لعبة السياسة كما يبدو دفعتها إلى معاودة أسلوب أسلافها في عرض عضلات الحزب، لأجل كسب الشارع ، وفي اتباع أسلوب وصف بمحاولة لي الاذرع، واستغلال فرصة إعادة النظر بالميزانية لخلق ازمة سياسية الاستفادة منها كدعاية انتخابية حيث الانتخابات البلدية على الأبواب، كان مقدرا لها، حسب المراقبين، من البدء بان تتوقف في مرحلة ما، فليس لصالح حزب الوسط انهيار الحكومة، فان النتائج الأكبر عندها ستذهب إلى حزب الفنلنديين الحقيقيين اليميني المتطرف والمنافس للجميع.

أخيرا أعلنت رئيسة الوزراء في مؤتمر صحفي ضم كل زعماء أحزاب الحكومة بأن “تم الاتفاق مع جميع رؤساء الأحزاب الحكومية بشأن القضايا المركزية، لقد اقتربنا جميعًا من بعضنا البعض، وتنازل الجميع وكانت الإرادة موجودة للتوصل إلى اتفاق). الملفت للنظر ان عدسات المصورين التقطت صور لهذا المؤتمر حرصت زعيمة حزب الوسط على الوقوف على مسافة من بقية أعضاء الحكومة، فيا ترى إلى متى يستمر هذا الكر والفر بين الحلفاء الاعدقاء، وما هو الملف القادم؟

عرض مقالات: