اخر الاخبار

أثار تصريح رئيس اللجنة المالية النيابية، عدي عواد، بشأن تحويل الجامعات الحكومية إلى نظام التمويل الذاتي اعتباراً من عام 2029، تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل التعليم العالي في العراق، وحدود مسؤولية الدولة عن تمويله وضمان مجانيته، ويأتي هذا الطرح في وقت تواجه فيه الجامعات تحديات متراكمة على المستويات المالية والإدارية والأكاديمية.

التمويل الذاتي كيف ولماذا؟

ولا ينفصل الجدل بشأن تحويل الجامعات الحكومية إلى نظام التمويل الذاتي عن النقاش الأوسع حول مستقبل تمويل التعليم العالي في العراق، وحدود الاستقلال المالي والإداري للمؤسسات الجامعية، ومسؤولية الدولة عن ضمان مجانية التعليم.

وعاد الملف إلى الواجهة مع إعلان وزير التعليم العالي والبحث العلمي، حيدر بهاء، التوجه نحو تطبيق تجربة الاستقلالية في عشر جامعات، لتكون "نموذجاً لتطوير الإدارة الجامعية" وتنويع الموارد المالية وتعزيز القدرة على تلبية متطلبات التطوير العلمي والتعليمي.

وفي اليوم التالي، أثار تصريح رئيس اللجنة المالية النيابية، عدي عواد، بشأن توجه نحو التمويل الذاتي بحلول عام 2029 للجامعات الحكومية، تساؤلات بشأن قدرة الجامعات على تأمين نفقاتها التشغيلية، بما فيها رواتب الموظفين والتدريسيين، ومدى استعدادها للاعتماد على مواردها الخاصة.

وتستند الجامعات الحكومية، في إطارها القانوني الحالي، إلى أحكام قانون وزارة التعليم العالي والبحث العلمي رقم (40) لسنة 1988 المعدل، إذ نص التعديل التاسع، الصادر بالقانون رقم (17) لسنة 2024، على تمتع الجامعة بالاستقلال الإداري والمالي، وإنشاء صندوق للتعليم العالي تتكون موارده من مصادر متعددة، تشمل الأجور الدراسية للدراسات المسائية، وإيرادات المكاتب الاستشارية والخدمات والأنشطة، وأرباح استثمار الأموال المنقولة وغير المنقولة، والمنح والهبات والتبرعات.

ويوفر ذلك أساساً قانونياً لتنويع الموارد المالية، لكنه لا يعني بحد ذاته إقرار نظام شامل يلغي التمويل الحكومي.

في المقابل، تنص المادة 34 من الدستور العراقي على أن التعليم حق تكفله الدولة، وأن التعليم المجاني حق لجميع العراقيين في مختلف مراحله.

وتشير بيانات اليونسكو الخاصة بتمويل التعليم العالي في العراق إلى أن الدراسة الصباحية الاعتيادية في الجامعات الحكومية مجانية للمواطنين، فيما تُستوفى أجور عن الدراسة المسائية.

تحذير من المساس بمجانية التعليم

في هذا الصدد، رفض سكرتير اتحاد الطلبة العام في العراق، أيوب عبد الحسين، التوجه نحو تحويل الجامعات الحكومية إلى نظام التمويل الذاتي اعتباراً من عام 2029، محذراً من تداعياته على حق الطلبة في التعليم، وما قد يترتب عليه من أعباء مالية إضافية تثقل كاهل العائلات العراقية، ولا سيما ذوي الدخل المحدود.

وقال عبد الحسين لـ"طريق الشعب"، إن التعليم حق دستوري واجتماعي مكفول لجميع العراقيين، وإن مسؤولية الدولة تتمثل في ضمان توفيره مجاناً وتطوير مؤسساته، لا التراجع عن التزاماتها المالية ونقل أعباء تمويل الجامعات إلى الطلبة وعائلاتهم، في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تواجه شرائح واسعة من المجتمع.

وأضاف أن اعتماد الجامعات الحكومية على مواردها الذاتية لتغطية نفقاتها التشغيلية ومتطلباتها التعليمية قد يدفع باتجاه زيادة الأجور الدراسية والرسوم، ويجعل قدرة الطلبة على مواصلة تعليمهم مرتبطة بإمكاناتهم المالية، الأمر الذي يهدد مبدأ تكافؤ الفرص ويضعف فرص أبناء العمال والكادحين والفئات الفقيرة في الحصول على التعليم الجامعي.

وأشار إلى أن معالجة مشكلات التمويل التي تواجه الجامعات لا ينبغي أن تكون على حساب الطلبة، مؤكداً أن المطلوب هو زيادة الإنفاق العام على التعليم العالي، وتوفير التخصيصات المالية اللازمة للجامعات، ومعالجة الهدر المالي ومكافحة الفساد، وإعادة النظر في أولويات الإنفاق، بما يضمن تحسين البيئة الجامعية والارتقاء بالمستوى العلمي والأكاديمي.

وشدد عبد الحسين على ضرورة إخضاع أي توجه يمس مستقبل التعليم الجامعي لنقاش عام تشارك فيه الاتحادات الطلابية والأوساط الأكاديمية والتدريسية، مع توضيح الآثار المالية والتعليمية المترتبة عليه، وعدم اتخاذ قرارات من شأنها تقليص فرص الطلبة في التعليم أو تحميل عائلاتهم أعباء جديدة.

وأكد أن الدفاع عن مجانية التعليم مسؤولية وطنية واجتماعية، وأن الجامعات الحكومية ينبغي أن تبقى صروح ومؤسسات تتيح المعرفة والارتقاء الاجتماعي لجميع الطلبة على أساس الكفاءة والاستحقاق، بعيداً عن قدرة العائلة على دفع الرسوم والأجور الدراسية.

إصلاح إداري وتشريعي

من جهته، قال نقيب الأكاديميين العراقيين السابق، مهند هلال، أن استقلالية الجامعات الحكومية لا تتعارض مع مجانية التعليم التي يكفلها الدستور، مشدداً على ضرورة التمييز بين استقلال المؤسسات الجامعية إدارياً وأكاديمياً ومالياً، وبين تحويلها إلى مؤسسات تتحمل وحدها أعباء تمويل نفقاتها والتزاماتها.

واضاف هلال في حديث مع "طريق الشعب"، أن المادة 34 من الدستور العراقي تنص على ضمان مجانية التعليم، وإن الحديث عن استقلالية الجامعات ينبغي ألا يُفسَّر بوصفه توجهاً لتحويل الجامعات الحكومية إلى مؤسسات أهلية أو تحميل الطلبة كلفة التعليم، مبيناً أن استقلالية الجامعات والحريات الأكاديمية يمثلان مبدأين أساسيين في تطوير التعليم العالي، ولا ينبغي حصر مفهوم الاستقلالية في الجانب المالي وحده.

وتابع أن الجامعات العراقية عانت خلال السنوات الماضية، وخصوصاً في الوزارة الاخيرة، من تدخلات سياسية وحكومية في شؤونها الإدارية والأكاديمية، بما في ذلك اختيار القيادات الجامعية، الأمر الذي يستدعي توفير بيئة تتيح لها إدارة شؤونها بصورة مستقلة، بعيداً عن التدخلات التي تحد من قدرتها على أداء مهامها العلمية.

وأوضح أن تحقيق الاستقلالية يتطلب مراجعة عدد من القوانين والتعليمات المتعلقة بموارد الجامعات والتزاماتها المالية تجاه الموازنة العامة، فضلاً عن تنظيم إيرادات صناديق التعليم العالي والأنشطة الإنتاجية والمكاتب الاستشارية، مشيراً إلى أن هناك جامعات تمتلك مصادر متعددة يمكن تطويرها لتعزيز مواردها.

وبيّن هلال أن تنويع مصادر الإيرادات ينبغي ان لا يبنى على تحميل الطلبة أعباء مالية إضافية، مؤكداً أن الاستقلال المالي للجامعة يجب أن لا يُفهم على أنه تخلي الدولة عن مسؤولياتها في تمويل التعليم العالي وضمان استمراره مجاناً، وأن أي توجه بهذا الاتجاه يحتاج إلى تعديلات تشريعية وإدارية وتهيئة مسبقة للجامعات.

ولفت إلى أن بعض الجامعات، ولا سيما الجامعات العريقة في بغداد وعدد من المحافظات، تمتلك أراضي وموارد وإمكانات يمكن استثمارها بصورة أفضل، مستشهداً بجامعات بغداد والنهرين والمستنصرية والبصرة والموصل وكربلاء وبابل، ومؤكداً أن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب إدارة مهنية كفوءة وخططاً واضحة لاستثمار الموارد وبعيداً عن تدخل الاحزاب السياسية.

وشدد هلال على أن نجاح أي تجربة للاستقلالية الجامعية يرتبط بكفاءة الإدارة وقدرتها على إدارة الموارد واتخاذ القرارات، محذراً من أن الإدارات الروتينية والحزبية لا توفر البيئة اللازمة، ومؤكداً في الوقت نفسه أن استقلالية الجامعات يجب أن تقترن باستمرار الدعم الحكومي، بما يضمن تطوير التعليم العالي ويحافظ على مجانية التعليم وحقوق الطلبة.