مع اقتراب الخامس والعشرين من تشرين الأول، تتكثف دعوات التظاهر في ذكرى ثاني موجات انتفاضة تشرين 2019، وتعود معها الأساليب نفسها: جيوش إلكترونية محسوبة على قوى السلطة تسارع إلى توزيع التهم على المتظاهرين قبل أن يصلوا إلى الساحات، فتشوّه صورة الحراك مسبقاً وتحوّل النقاش عن مطالب الناس إلى سجال حول نوايا المتظاهرين وهوياتهم.
بدأت تظاهرات تشرين في الأول من تشرين الأول 2019 بتجمعات شبابية متفرقة في بغداد، ثم تصاعدت إلى اعتصامات، وانطلقت جموع المحتجين في 25 تشرين الأول إلى ساحات الاعتصام في بغداد ومحافظات الوطن، بعد انتهاء المهلة التي منحها المتظاهرون في حينها. وسقط بحسب إحصائيات حكومية، نحو 600 شهيد وقرابة 25 ألف مصاب. وأجبرت الاحتجاجات حكومة عادل عبد المهدي على الاستقالة.
وفي الذكرى السابعة، توقع أكاديميون وناشطون تجدد الاحتجاجات في أي لحظة، في ظل الفساد ونقص الخدمات والأزمة الاقتصادية وبطالة الشباب.
وفي الجانب الرقمي، وثّقت بعثة الأمم المتحدة في العراق خلال احتجاجات تشرين استخدام حسابات غير حقيقية وروبوتات لنشر وسوم مناهضة للاحتجاجات ورسائل ترهيب، واستهداف المتظاهرين والناشطين شخصياً، وتضمنت بعض الحملات اتهامات أخلاقية ضد متظاهرين وتشهيراً قائماً على النوع الاجتماعي بحق الناشطات. وتقوم آلية هذه الحملات على إغراق الشخص المستهدف بكمّ كبير من الاتهامات والتعليقات المتشابهة، لتحويل النقاش عن القضية التي يطرحها. والاتهام المبكر هو الحلقة الأولى في هذه الآلية محاولة نزع الشرعية عن التظاهرة قبل انطلاقها، ويُدفع الناس إلى الانشغال بالرد على التهم بدل الحديث عن الفساد وانهيار الخدمات والعدالة لضحايا الانتفاضة.
تحشيد شعبي لـ25 تشرين
ودعت اللجنة التنسيقية للحوار الوطني المدني، أبناء الشعب العراقي إلى المشاركة في تظاهرات 25 تشرين الأول، إحياءً لذكرى انتفاضة تشرين واستذكاراً لتضحيات شهدائها وجرحاها، وتجديداً للمطالبة بالتغيير والإصلاح وبناء دولة المواطنة والعدالة والكرامة.
وقالت اللجنة في بيان، إن صبر العراقيين ليس تفويضاً مفتوحاً للمنظومة السياسية، وإن إدارة الدولة لا يمكن أن تبقى رهينة المصالح الحزبية والمحاصصة وتقاسم النفوذ، في وقت تتراكم فيه الأزمات وتتراجع ثقة المواطنين بالعملية السياسية.
وأكد البيان أن معالجة الأزمات تتطلب إرادة سياسية تضع مصلحة الشعب فوق مصالح الأحزاب، وتترجم الوعود إلى أفعال، وتفتح الطريق أمام المحاسبة والإصلاح الحقيقي، مشيراً إلى أن تظاهرات 25 تشرين تمثل رسالة تؤكد أن صوت الشعب لا يمكن تجاهله، وأن المطالبة بالحقوق والإصلاح مسؤولية وطنية مستمرة.
وشددت اللجنة على أن بناء الدولة يبدأ بإنهاء الفساد والمحاصصة، وتعزيز سيادة القانون، وحصر السلاح بيد الدولة، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
كما أكدت أن سلمية التظاهرات تمثل خطاً أحمر، وأن حماية الممتلكات العامة والخاصة واحترام القوات الأمنية مسؤولية مشتركة.
وختمت اللجنة بيانها بالتأكيد على أن تظاهرات 25 تشرين تجدد المطالبة بمواجهة الفساد والمحاصصة، وترسيخ مبدأ أولوية مصالح الوطن.
تزايد الأعباء المعيشية
من جانبه، قال رئيس تيار الخط الوطني عزيز الربيعي، إن احتجاجات 25 تشرين المرتقبة تأتي في ظل ظروف سياسية واقتصادية بالغة التعقيد، تتسم بتراجع الثقة بالعملية السياسية وتزايد الأعباء المعيشية على المواطنين، مشيراً إلى أن طبيعة الاحتجاجات وحجمها يرتبطان بمدى شعور الشارع بعدم قدرته على إحداث تغيير حقيقي عبر الوسائل السياسية المتاحة.
وأضاف الربيعي أن هذه المناسبة قد تحمل رسائل سياسية واجتماعية مهمة، ولا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية واستمرار الإخفاق في معالجة ملفات الفساد والخدمات، لكنه أشار إلى أن من المبكر تحديد حجم المشاركة أو مآلات الاحتجاجات، لارتباط ذلك بمدى استعداد القوى الاحتجاجية لتنظيم تحركها وتوحيد مطالبها وتقديم رؤية واضحة للتغيير.
وأكد الربيعي أن تيار الخط الوطني يؤمن بحق المواطنين في الاحتجاج السلمي والتعبير عن مطالبهم، داعياً القوى السياسية إلى التعامل مع هذه المطالب بجدية ومسؤولية، بعيداً عن التخوين أو محاولات الاحتواء السياسي.
وشدد على أن استقرار العراق لا يتحقق بتجاهل الأزمات، وإنما بمعالجة أسبابها واستعادة ثقة المواطنين بالدولة، وإجراء إصلاحات حقيقية في بنية النظام السياسي والاقتصادي.
رفض لنهج المحاصصة
في هذا الصدد، قال السياسي رحيم الدراجي إن التظاهرات المرتقبة في 25 تشرين الأول تمثل إحياءً لذكرى احتجاجات تشرين وشهدائها وجرحاها، مشيراً إلى أن الاحتجاجات انطلقت بمطالب وصفها بالمشروعة، لكنها واجهت قمعاً شديداً.
وأضاف في حديث مع "طريق الشعب"، أن التظاهرة المرتقبة لا تستهدف الحكومة الحالية، التي لم يمضِ على تشكيلها أكثر من ستة أشهر، بقدر ما تعبّر عن رفض أداء الأحزاب السياسية الحاكمة التي قال إنها تمارس ضغوطاً على الحكومة وتواصل تكريس نهج المحاصصة.
ووصف الدراجي المحاصصة بأنها أساس الفساد والاستحواذ على ثروات العراق ومؤسساته وموارده الاقتصادية، في وقت يعاني فيه المواطنون من صعوبات معيشية وتحديات تتعلق بالتعيين وأداء مؤسسات الدولة.
وأوضح أن أهمية تظاهرات هذا العام تنبع من إصرار ناشطين ومشاركين في احتجاجات تشرين ومعارضين لأداء "الطبقة السياسية" على رفض النهج الذي أُديرت به البلاد، مستحضراً وصف المرجعية الدينية لهذا النهج بأنه يتسم بالفشل والفساد.
احتجاجاً على الأزمات الاقتصادية والمعيشية
من جانبه، قال الناشط السياسي بهاء السراي، إن تظاهرات الخامس والعشرين من تشرين الأول تأتي في ظل تراكم الأزمات الاقتصادية والمعيشية وتداعيات السياسات الحكومية، بما فيها رفع سعر صرف الدولار، مشيراً إلى أن التحركات المرتقبة لا تقتصر على إحياء ذكرى احتجاجات تشرين، بل تعبّر عن مطالب شعبية متجددة في ظل الظروف الراهنة.
واضاف في حديثه لـ"طريق الشعب"، أن قطاعات شبابية ومهنية ونقابية ومنظمات مجتمع مدني أبدت تفاعلاً مع الدعوات إلى المشاركة في التظاهرات، لافتاً إلى أن طبيعة التحرك المقبل، سواء من حيث اتساع المشاركة أو شكل الاحتجاج ومطالبه، ستتحدد وفق حجم الحضور الشعبي.
وأوضح أن الجهات المشاركة تعتزم عقد اجتماع لإصدار بيان موحد بشأن التحرك، مبيناً أن الخيارات المطروحة، بما فيها الاعتصام أو منح الحكومة مهلة لتنفيذ المطالب، لم تُحسم حتى الآن.
وشدد السراي على أن تظاهرات هذا العام تأتي وسط معاناة اقتصادية واجتماعية تطال شرائح واسعة من المجتمع، مؤكداً أن ما يجري لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد مناسبة لاستذكار احتجاجات سابقة، بل هو تعبير عن تراكمات وأزمات لم تُعالج، بقوله إن ما يجري هو احتجاج، وليس مجرد ذكرى.