اخر الاخبار

في ظل تصاعد حضور خطابات التحريض والكراهية في الفضاء العام، ولا سيما عبر المنصات الرقمية ووسائل الإعلام، يبرز الجدل في العراق بشأن الحاجة إلى إطار تشريعي واضح يتعامل مع هذه الظاهرة، ويحدد الأفعال التي تستوجب المساءلة، ويوفر الحماية للفئات والجماعات المستهدفة، من دون أن يتحول ذلك إلى تقييد لحرية الرأي والتعبير.

وتأتي هذه النقاشات بالتزامن مع استمرار تأخر إقرار تشريع متخصص للوقاية من التمييز وخطابات الكراهية، في وقت تثير فيه طبيعة الخطاب المتداول، وما قد يترتب عليه من آثار اجتماعية، تساؤلات بشأن قدرة الأطر القانونية القائمة على التعامل مع الحالات المرتبطة بالتحريض على أساس ديني أو إثني أو مذهبي أو هوياتي.

تحذير جاد

وللوقوف على واقع هذه الظاهرة، وحجم الفراغ التشريعي، وأبرز التحديات التي تواجه مشروع القانون والضوابط اللازمة لتحقيق التوازن بين مواجهة خطاب الكراهية وحماية حرية التعبير، أجرت "طريق الشعب"، حواراً مع المنسق العام لمؤسسة مسارات للتنمية الثقافية ومؤسس مركز رصد ومواجهة خطابات الكراهية في العراق، الدكتور سعد سلوم، الذي حذر، من تنامي خطابات الكراهية والتحريض في البلاد، مشيراً إلى أن الظاهرة لم تعد مرتبطة بسلوك أفراد أو محتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما باتت، وفق معطيات الرصد التي تتوافر لدى المؤسسة، مرتبطة ببعض الخطابات السياسية والإعلامية والرقمية المنظمة.

وقال سلوم، إن تنامي خطابات الكراهية والتحريض في العراق يمثل "مشكلة مؤسسية ومجتمعية تتطلب استجابة مؤسسية"، موضحاً أن التعامل معها باعتبارها مجرد مشكلة مرتبطة بسلوك أفراد أو بمحتوى منخفض الجودة على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعكس طبيعة الظاهرة وتأثيراتها المحتملة.

واضاف أن هذا النوع من الخطاب يمكن، في ظروف معينة، أن يتحول إلى بيئة اجتماعية وسياسية تمهّد للتمييز والعنف والاستهداف الجماعي، مبيناً أن مؤسسة مسارات تعمل على هذا الملف منذ نحو عشر سنوات، إذ بدأ العمل عام 2016 بإطلاق "إعلان بغداد لمواجهة خطابات الكراهية في الشرق الأوسط" خلال مؤتمر عقدته المؤسسة.

ليست هامشية

وأوضح أن العمل انتقل لاحقاً إلى مرحلة أكثر تخصصاً مع تأسيس مركز رصد ومواجهة خطابات الكراهية في العراق عام 2018، وصولاً إلى إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمواجهة خطابات الكراهية عام 2025.

واكد سلوم أن المؤسسة راكمت خلال هذه السنوات خبرة ميدانية ورصدية واسعة، ونشرت تقارير ودراسات ترصد أنماط خطاب الكراهية ومصادره وآثاره، لافتاً إلى أن بيانات الرصد الأخيرة تظهر أن الظاهرة ليست هامشية" بل أصبحت مرتبطة ببعض الخطابات السياسية والإعلامية والرقمية المنظمة.

وبحسب سلوم، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على معالجة المحتوى بعد انتشاره، وإنما تحتاج إلى «تشريعات وسياسات عامة وتعليم وإعلام ورصد مؤسسي»، في إطار استجابة تتعامل مع جذور المشكلة وآثارها المحتملة.

فراغ تشريعي

وفي ما يتعلق بالفراغ الذي يتركه غياب قانون متخصص للوقاية من التمييز وخطابات الكراهية، نوه سلوم بأن هذا الغياب يترك "فراغاً تشريعياً واضحاً"، مبيناً أن النصوص المتفرقة الموجودة في التشريعات العراقية لا تقدم دائماً إطاراً متكاملاً للوقاية من التمييز وخطابات الكراهية وتعريفها ورصدها ومساءلة مرتكبيها وحماية الفئات المستهدفة.

وأكد أن أهمية وجود إطار تشريعي متخصص تزداد بالنسبة إلى الأيزيديين والصابئة المندائيين والمسيحيين والشبك والكرد الفيليين وسائر المكونات العراقية، مشيراً إلى أن التجربة العراقية أثبتت، بحسب تقديره، أن التحريض ضد جماعة دينية أو إثنية لا يبقى بالضرورة في مستوى الخطاب، بل يمكن أن ينتقل إلى التمييز ثم إلى العنف.

ومن هذا المنطلق، شدد سلوم على أن القانون المطلوب لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره قانوناً لحماية الأقليات فقط، وإنما بوصفه تشريعاً لحماية المجتمع العراقي كله من التمييز والتحريض والعنف القائم على الهوية.

تشريع مستقل بضوابط واضحة

وعن الحاجة إلى تشريع مستقل يحدد الأفعال المجرّمة وآليات التعامل معها، أكد سلوم وجود هذه الحاجة، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة أن يكون التشريع «دقيقاً ومتوازناً».

وقال إن المطلوب ليس قانوناً يعاقب على الآراء أو المواقف الفكرية، وإنما تشريع يحدد بوضوح الأفعال التي تشكل تمييزاً أو تحريضاً على الكراهية أو العنف، ويضع آليات للوقاية والرصد والمساءلة.

وبيّن أن مشروع القانون الذي عملت عليه المؤسسة لا ينظر إلى المسألة من زاوية العقوبة وحدها، وإنما يقترح

"منظومة متكاملة" تشمل التشريع والرصد والإعلام والتعليم والسياسات العامة وآليات حماية الفئات المستهدفة.

وزاد بالقول أن وجود تشريع مستقل من شأنه أن يساعد على توحيد المعايير القانونية، بدلاً من التعامل مع كل حالة بصورة منفصلة أو محاولة تكييفها مع نصوص قانونية صيغت أصلاً لمعالجة جرائم أخرى.

بين مكافحة الكراهية وحرية التعبير

وفي ما يخص أسباب تأخر إقرار مشروع القانون، أرجع سلوم الأمر إلى حساسية الموازنة بين حماية المجتمع من التحريض والكراهية وحماية حرية التعبير، معتبراً أن هذه الحساسية «مشروعة» ويجب أخذها بجدية عند صياغة القانون.

لكنه جادل بأن معالجة هذه الإشكالية لا تكون بتأجيل التشريع، وإنما من خلال وضع تعريفات وضوابط دقيقة تمنع استخدام القانون بصورة فضفاضة.

وشدد على ضرورة أن يميز القانون بوضوح بين الرأي والنقد والاختلاف الفكري أو الديني والسياسي من جهة، وبين التحريض على التمييز أو العنف أو استهداف جماعة على أساس هويتها من جهة أخرى.

ما المطلوب من مجلس النواب؟

وفي شأن الخطوة التي يفترض أن يتخذها مجلس النواب لتحويل مشروع القانون من مسودة مؤجلة إلى تشريع نافذ، دعا سلوم إلى إعادة وضع المشروع ضمن أولويات الأجندة التشريعية، وإخضاعه لحوار قانوني ومجتمعي واسع يشارك فيه المختصون في القانون وحقوق الإنسان والإعلام والمكونات الدينية والإثنية ومنظمات المجتمع المدني.

وأشار إلى ضرورة معالجة أي ثغرات في التعريفات والعقوبات وآليات التطبيق، بما يضمن أن يكون القانون واضحاً وقابلاً للتطبيق، ولا يترك مساحة واسعة للتفسير التعسفي.

ورأى أن الضمانة الأساسية تتمثل في أن يكون القانون "عاماً ومجرداً" ويطبق على الجميع بالمعيار نفسه، مشدداً على أنه "لا ينبغي أن تكون هناك جماعة فوق القانون أو جماعة تحظى بحماية أقل من غيرها"

ولفت إلى أن نجاح القانون، من وجهة نظره، لا ينبغي أن يقاس بعدد الأشخاص الذين تتم معاقبتهم، وإنما بقدرته على الوقاية من التحريض والتمييز، وحماية السلم الأهلي، وبناء فضاء عام يستطيع العراقيون فيه الاختلاف من دون أن يتحول اختلافهم إلى استهداف للآخر بسبب دينه أو قوميته أو مذهبه أو هويته.

مسودة قانون للوقاية

وأكد سلوم أن مؤسسته لا تتعامل مع ملف خطابات الكراهية باعتباره قضية طارئة، مستعرضاً مسار عمل المؤسسة منذ عام 2016، بدءاً من «إعلان بغداد لمواجهة خطابات الكراهية في الشرق الأوسط»، مروراً بتأسيس مركز الرصد والمواجهة عام 2018، ثم إطلاق الاستراتيجية الوطنية عام 2025.

وقال إن العمل ينتقل اليوم إلى المستوى التشريعي، معتبراً أن ذلك يمثل، في تقديره، الخطوة الطبيعية لتحويل الخبرة المتراكمة في الرصد والمواجهة إلى سياسة عامة وتشريع وطني.

وخلص الى القول: أن مؤسسة مسارات تعمل حالياً على مسودة قانون للوقاية من التمييز وخطابات الكراهية بالتعاون مع رئاسة الجمهورية، انطلاقاً من خبرة تراكمية في الرصد والدراسة والعمل الميداني..