اخر الاخبار

في وقت تتفاقم فيه الأعباء المعيشية وتتزايد الضغوط المالية، لا تزال القوى السياسية غارقة في خلافاتها بشأن استكمال التشكيلة الحكومية وتقاسم المناصب، وسط توجهات لاستحداث مواقع تنفيذية ووزارات جديدة تثير انتقادات بشأن جدواها وانسجامها مع متطلبات ترشيد الإنفاق العام.

ولا تقتصر تداعيات استحداث المناصب الحكومية وتوسيع الهيكل التنفيذي على استنزاف خزينة الدولة وزيادة النفقات التشغيلية، إنما تمتد إلى تشتيت القرار الحكومي وإرباك آليات إدارته، في ظل تعدد مراكز النفوذ وتداخل الصلاحيات وتضييع المسؤولية عن القرارات والنتائج. كما يسهم هذا النهج في ترسيخ الولاءات الحزبية داخل مؤسسات الدولة، وتحويل المواقع التنفيذية إلى أدوات لتثبيت نفوذ القوى المتنفذة وضمان مصالحها. وبهذا، تتحول المناصب الإضافية إلى عامل يضعف وحدة القرار ويقوض مبدأ المساءلة، ويعمّق خضوع مؤسسات الدولة لمنطق المحاصصة على حساب الكفاءة والمصلحة الوطنية.

وبينما يُطلب من المواطنين تحمّل تداعيات القرارات الاقتصادية، بما فيها الإجراءات التي تمس القدرة الشرائية وقيمة الدخول، تتواصل التساؤلات بشأن استعداد القوى المتنفذة لمراجعة امتيازاتها وتقليص النفقات غير الضرورية، وربط الإنفاق الحكومي بالحاجة الفعلية والجدوى. ويرى مراقبون أن استمرار المساومات على المواقع التنفيذية، وتوسيع هياكل الدولة من دون تقييم واضح لمردودها، يعكسان أزمة أعمق في بنية النظام السياسي وآليات اتخاذ القرار، حيث تتقدم المصالح الحزبية على أولويات الإصلاح.

قوى عاجزة عن إجراء أية اصلاحات

يقول الباحث في الشأن السياسي مجاشع التميمي إن الأزمات التي يشهدها العراق تعود كلها إلى أزمة في بنية النظام السياسي، في ظل عدم قناعة القوى السياسية بالنظام البرلماني بصيغته الدستورية، وسعي معظمها إلى المشاركة في الحكومة، فضلاً عن اتساع الخلافات السياسية وتداخلها مع التدخلات الإقليمية وعدم الالتزام بالسياقات الدستورية.

ويضيف التميمي في حديثه مع "طريق الشعب"، أن معالجة الأزمات ينبغي أن تستند إلى الدستور، بدلاً من تجاوز أحكامه والاحتكام إلى الاتفاقات والتفاهمات السياسية التي يصف بعضها بأنه غير دستوري وغير قانوني، مشيراً إلى أن المصالح والتوافقات بين القوى السياسية باتت تتحكم في تشكيل الحكومة وتوزيع المناصب.

ويتابع أن استحداث أربعة مناصب جديدة لنواب رئيس الوزراء، إلى جانب التوجه نحو استحداث وزارات ومناصب أخرى، لا ينسجم مع حاجة العراق إلى تقليص النفقات التشغيلية وضبط الإنفاق العام، ولا سيما في ظل التحديات الاقتصادية والمالية التي تواجه الدولة.

ويرى أن الإصلاحات المطروحة لا تقترب من مصالح القوى السياسية المتنفذة، التي وصلت إلى مرحلة تعجز فيها عن إجراء اي إصلاح حقيقي.

ويحذر من أن استمرار هذا النهج قد يقود إلى مزيد من الاضطراب السياسي، في حال عدم التوصل إلى حلول تعالج جذور الأزمة ضمن الأطر الدستورية.

وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، يلفت التميمي إلى أن المواطنين يتحملون جانباً كبيراً من تبعات الإخفاق السياسي، في وقت تتفاوت فيه الامتيازات والرواتب بين فئات المجتمع.

ويشير إلى وجود مواطنين يتقاضون رواتب متعددة، مقابل آخرين يعتمدون على راتب واحد محدود، محذراً من أن خفض قيمة الدينار العراقي ينعكس بصورة مباشرة على القدرة الشرائية ومستويات المعيشة، ولا سيما لدى أصحاب الدخول المحدودة.

حكومة خاضعة؟

من جهته، يؤكد المحلل السياسي داود سلمان أن التوجه نحو استحداث مناصب حكومية ووزارات جديدة، بالتزامن مع الحديث عن العجز المالي والحاجة إلى ترشيد الإنفاق، يكشف عن تناقض في أولويات إدارة الدولة، ويثير تساؤلات بشأن مدى خضوع القرارات الحكومية لمتطلبات الإصلاح المالي أم لضغوط التوافقات السياسية.

ويقول سلمان لـ"طريق الشعب"، إن المناصب الجديدة، حتى إن لم تترتب عليها أعباء مالية مباشرة كبيرة من حيث الرواتب، فإنها تستلزم نفقات إدارية وتشغيلية تتعلق بالمخصصات وبالمقرات والحمايات والنقل والإطعام وغيرها، ما يجعل تقييم جدواها ضرورياً في ظل الضغوط التي تواجه الموازنة العامة.

ويضيف أن توسيع الهيكل التنفيذي من دون تحديد الحاجة الفعلية إلى هذه المواقع ومردودها على الأداء الحكومي، لا ينسجم مع هدف ضبط النفقات.

ويشير إلى أن استمرار منطق المحاصصة في توزيع المناصب يعزز الانطباع بأن بعض القرارات تُتخذ لإرضاء القوى السياسية وتثبيت مكاسبها، بدلاً من الاستجابة لمتطلبات الإدارة العامة. وفي ما يتعلق بتأخر استكمال التشكيلة الحكومية، يصف سلمان استمرار إدارة بعض الوزارات والمؤسسات بالوكالة بأنه خلل يؤثر في استقرار العمل التنفيذي، وقد يحد من وضوح المسؤوليات ومتابعة الخطط والبرامج القطاعية. ويؤكد أن استكمال الحكومة لا ينبغي أن يكون مجرد إجراء شكلي، بل خطوة تتيح تحديد المسؤوليات وتفعيل البرامج ومحاسبة المسؤولين عن نتائج الأداء.

ويضيف أن تعثر القوى السياسية في حسم الاستحقاقات الحكومية يضعف قدرتها على إقناع الرأي العام بجدية التزامها بالإصلاح، ولا سيما عندما تتقدم الخلافات على توزيع المواقع على معايير اختيار الوزراء. ويشدد على أن تجاوز هذه المشكلة يتطلب إبعاد المحاصصة عن إدارة الوزارات، وإسناد المسؤوليات إلى شخصيات تمتلك الخبرة والكفاءة والقدرة على تنفيذ البرامج الحكومية.

ويخلص سلمان إلى أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من مراجعة طريقة إدارة الدولة وتحديد أولويات الإنفاق العام، لا من مطالبة المواطنين بتحمل أعباء اقتصادية إضافية في وقت لا تزال فيه بنية اتخاذ القرار وتوزيع المسؤوليات بحاجة إلى معالجة؛ فنجاح الحكومة يُقاس بقدرتها على تحسين الأداء وتقديم الخدمات وإدارة الموارد بكفاءة، وليس بعدد المناصب التي تستحدثها أو التفاهمات التي تعقدها القوى السياسية.

تساؤلات بشأن اولويات قوى السلطة

الى ذلك، قال الناشط السياسي، زين العابدين البصري، إن جوهر الأزمة التي يواجهها العراق لا يرتبط بتعثر تشكيل الحكومات أو حتى الخلاف على توزيع المناصب فحسب، إذ يمتد إلى طبيعة إدارة الدولة ومدى قدرة النظام السياسي على تحويل الاستحقاقات الدستورية إلى مؤسسات فاعلة وبرامج قابلة للتنفيذ.

ويشير البصري في حديثه مع "طريق الشعب"، الى ان استقرار العملية السياسية يُقاس بقدرتها على إنتاج سياسات عامة تستجيب لحاجات المجتمع وتضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية.

ويضيف أن استمرار المساومات على المواقع التنفيذية، بالتزامن مع تراكم الازمات والملفات الاقتصادية والخدمية، يثير تساؤلات جدية بشأن أولويات القوى السياسية وآليات اتخاذ القرار.

ويلفت الى أن الدولة التي تواجه تحديات مالية وتنموية تحتاج إلى ترشيد مؤسساتها وتعزيز كفاءة إدارتها، لا إلى توسيع هياكلها من دون بيان واضح للحاجة الفعلية إلى المناصب الجديدة، والمهام التي ستتولاها، والعائد المتوقع منها على أداء المؤسسات العامة.

وفي الجانب الاقتصادي يؤكد انه لا يمكن فصل القرارات المالية عن آثارها الاجتماعية، لأن أي إجراء يمس قيمة العملة أو القدرة الشرائية ينعكس بدرجات متفاوتة على دخول المواطنين، ولا سيما أصحاب الرواتب الثابتة والفئات محدودة الدخل.

ويتابع قائلاً، ان تقييم السياسات الاقتصادية ينبغي ألا يقتصر على حسابات الخزينة والإيرادات والنفقات، حيث يجب أن يشمل كلفتها الاجتماعية، ومدى قدرتها على حماية مستويات المعيشة، وتوزيع الأعباء بصورة عادلة.

وتكمن المشكلة الأعمق بحسب البصري، في غياب الربط الكافي بين المسؤولية السياسية والنتائج الفعلية للسياسات العامة؛ إذ لا يمكن بناء الثقة بالمؤسسات من دون معايير واضحة لتقييم الأداء، وشفافية في إدارة المال العام، ومساءلة عن القرارات التي لا تحقق أهدافها.

ويزيد على حديثه قائلاً، أن الإصلاح المالي لا ينبغي أن يتحول إلى إجراءات يتحمل المواطن كلفتها وحده، بينما تبقى بنية الإنفاق الحكومي وامتيازاته بعيدة عن المراجعة الجدية.

ويشدد على ان تجاوز هذه الاختلالات يتطلب الانتقال من إدارة الأزمات عبر التفاهمات المؤقتة إلى إصلاح مؤسسي يستند إلى الدستور، ويعيد تحديد أولويات الإنفاق، ويربط استحداث المناصب والبرامج الحكومية بالحاجة الفعلية والجدوى الاقتصادية، مع اعتماد مؤشرات قابلة للقياس لمتابعة الأداء.