اخر الاخبار

في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الموجهة إلى تعديلات قانون الأحوال الشخصية، يواجه ناشطون وناشطات مناهضون لها موجة من الاتهامات والتشهير، بحسب إفادات حقوقية، ما ينقل القضية من الخلاف بشأن التشريع وتداعياته إلى مخاوف تتعلق باستهداف الأصوات المعارضة ومحاولات تقييد مشاركتها في النقاش العام.

تحريض وشيطنة

وعاد الجدل بشأن تعديلات قانون الأحوال الشخصية والمدونة الجعفرية إلى الواجهة، لكن هذه المرة على خلفية تحركات حقوقية أطلقها ناشطون وناشطات لمناهضة التعديلات، استناداً إلى وقائع وملاحظات تتعلق بتداعيات تطبيقها وانعكاساتها الاجتماعية، ولا سيما ما يتصل بحقوق النساء والأسرة.

ومع تجدد النقاش بشأن آثار التشريع، لم يقتصر المشهد على تبادل الآراء بشأن نصوصه وتطبيقاته، إذ امتد إلى حملات استهدفت المشاركين في الحراك المناهض له، وفق ما أفاد به مدافعون عن حقوق الإنسان.

يقول ناشطون إن هذه الحملات اتخذت أشكالاً من التخوين والتشهير والتشكيك في دوافع المعترضين، عبر اتهامهم بمعاداة الدين أو استهداف الأسرة، فضلاً عن اتهامات تتعلق بالارتباط بجهات خارجية، في مقابل ما يرونه تراجعاً عن مناقشة اعتراضاتهم على أساس قانوني وحقوقي.

ويحذر هؤلاء من أن انتقال الخلاف من مناقشة التشريع إلى استهداف الأشخاص قد يضيّق مساحة التعبير عن الرأي، ويثني ناشطين وناشطات عن المشاركة في النقاش العام، خصوصاً في ظل مخاوف من التهديدات والتشهير الإلكتروني وانعكاساتهما على سلامة المستهدفين وعائلاتهم.

 تنشيط الأصوات المعارضة

في هذا الصدد، قال رئيس منظمة حق لحقوق الإنسان عمر العلواني، إن ظهور حالات مرتبطة بتطبيق المدونة الجعفرية، وما رافقها من تداعيات على النساء والأطفال، أسهم في تجدد الأصوات المطالبة بإلغاء المدونة، بعد أن بدأت آثار بعض أحكامها تتضح على أرض الواقع، خلافاً لما كان عليه الحال قبل التطبيق، حين لم تكن شريحة واسعة من المجتمع تدرك طبيعة تلك الأحكام وانعكاساتها المحتملة.

واضاف العلواني في حديثه مع "طريق الشعب"، أن تداول نماذج لحالات تتعلق بالحضانة وانفصال أطفال عن أمهاتهم أعاد تسليط الضوء على الاعتراضات الحقوقية التي أُثيرت بشأن المدونة، مشيراً إلى أن هذه المشاهد دفعت مزيداً من الناشطين والناشطات إلى الانضمام للحملة المناهضة لها، وعززت التعاطف المجتمعي مع المطالب التي تركز على حقوق المرأة والطفل.

وتابع أن الاعتراضات على المدونة جرى تقديمها ضمن إطار ديني وعقائدي، رغم أن دوافع المعترضين، بحسب قوله، تنطلق من اعتبارات إنسانية وحقوقية تتعلق بآثار التشريع وتطبيقه.

ورأى أن اتساع دائرة المعترضين قد يكون وراء تصاعد محاولات التخويف والتهديد باستخدام القانون ضد بعض الأصوات، بذريعة المساس بالمعتقدات، محذراً من أن ذلك يهدد مساحة التعبير الحر ويحد من قدرة الفئات المختلفة على المشاركة في النقاش العام.

وفي ما يتعلق بحملات التخوين والتشهير، أشار العلواني إلى أنها تشهد تزايداً، ولا تقتصر على المعارضين للمدونة، بل تمتد إلى ناشطين ومنظمات تتبنى قضايا المرأة وحقوق الإنسان عموماً. وبيّن أن هذه الحملات قد تتجاوز الطعن في السمعة إلى التحريض المجتمعي، وأنها تسهم أحياناً في ممارسة ضغوط على المدافعين عن الحقوق ومحاولة إضعاف حضورهم.

وربط العلواني بين تصاعد تلك الحملات وبين تنامي التعاطف المجتمعي مع الأصوات المعارضة، في ضوء ما يُتداول من حالات مرتبطة بتطبيق المدونة، معتبراً أن بعض القوى السياسية قد تنظر إلى المدونة بوصفها مكسباً سياسياً أو انتخابياً، وأن تراجع ثقة المجتمع بها قد ينعكس على الخطاب الذي تتبناه الجهات المؤيدة لها. كما أعرب عن مخاوف من أن يفتح الجدل بشأنها الباب أمام طرح مدونة سنية مماثلة.

تحريض على العنف

من جهته، حذّر الخبير القانوني وائل منذر من ازدواجية التعامل مع حق التعبير عن الرأي بشأن تعديلات قانون الأحوال الشخصية والمدونة الجعفرية، مشيراً إلى أن بعض المعترضين يتعرضون للتخوين والتشهير والاتهام بالارتباط بجهات أجنبية أو الانحراف عن التوجهات الدينية، بدلاً من مناقشة ملاحظاتهم على النصوص القانونية من منظور حقوقي ودستوري.

وقال منذر في حديث لـ"طريق الشعب" إن الاعتراضات على المدونة، ولا سيما الملاحظات المتعلقة بحقوق المرأة ومبدأ المساواة المقرر دستورياً، ينبغي أن تُناقش على أساس قانوني وحقوقي، لا أن تُصوّر باعتبارها استهدافاً للأسرة أو للدين، مؤكداً أن النصوص القانونية التي يقرّها مجلس النواب تظل قابلة للنقاش بشأن مدى ملاءمتها لمتطلبات المجتمع والآثار المترتبة على تطبيقها.

وأضاف أن حملات التخوين والتشهير بحق المعارضين مرفوضة، خصوصاً عندما تتجاوز حدود الاختلاف في الرأي إلى التهديد أو التحريض على العنف أو التمييز والاعتداء. وأشار إلى أن بعض هذه الحملات تتخذ طابعاً منظماً، من خلال صفحات تنشر مضامين متشابهة ومتكررة، وأحياناً عبر حسابات ممولة تروّج لاتجاهات محددة.

ولفت منذر إلى أن إطلاق اتهامات خطيرة بحق المعارضين، ولا سيما عندما تصدر عن شخصيات سياسية أو دينية أو إعلامية مؤثرة، من دون الاستناد إلى أدلة، قد يسهم في خلق بيئة من الترهيب الفكري وخطاب الكراهية، ويعرّض المستهدفين، خصوصاً من تُنشر أسماؤهم أو بياناتهم الشخصية، لخطر الاعتداءات اللفظية والجسدية. وبيّن أن بعض هذه الممارسات قد تندرج ضمن أفعال يعاقب عليها القانون، بحسب طبيعتها وظروفها، بما يستوجب التحقق منها ومساءلة المسؤولين عنها وفقاً للقانون.

وأكد ضرورة رصد حالات التحريض والتشهير وتوثيقها وتحديد الحسابات التي تقف وراءها، مشيراً إلى تكرار استهداف ناشطين ومعارضين للمدونة من خلال نشر معلومات شخصية عنهم، أو نسبة مواقف وأفعال إليهم لا علاقة لهم بها، أو توجيه اتهامات غير صحيحة بحقهم.

وفي ما يتعلق بمسؤولية المؤسسات الرسمية والسياسية والدينية، شدد منذر على أهمية توفير بيئة تسمح بنقاش شفاف وشامل بشأن الاعتراضات والملاحظات التي ظهرت خلال تطبيق المدونة، بعيداً عن التخوين والإقصاء، وبما يضمن احترام الأطر الدستورية والقانونية.

وأوضح أن من الضروري تقييم آثار المدونة عملياً، ولا سيما في ما يتعلق بمعدلات الطلاق، مبيناً أن الهدف الذي طرحه مؤيدو التعديل عند إقراره تمثل في الحد من حالات الطلاق، في حين يشير، بحسب قراءته لواقع التطبيق، إلى استمرار المعدلات عند مستوياتها السابقة، مع تسجيل ارتفاع في بعض المحافظات خلال بعض الأشهر.

ودعا إلى الاستناد إلى البيانات والإحصاءات الرسمية لتقييم أثر التشريع بعد مضي مدة على تطبيقه، وإعادة النظر في النصوص التي يثبت عدم تحقيقها الأهداف المعلنة أو التي تثير إشكالات حقوقية وقانونية.

وانتقد منذر الخطاب الصادر عن بعض أعضاء مجلس النواب تجاه المعترضين، مشيراً إلى أن وصف أحد النواب المعارضين بعبارة "يضرب رأسه بأقرب حائط" يعكس، بحسب تعبيره، تعاملاً غير مسؤول مع الاختلاف داخل المؤسسة التشريعية.

وأكد أن النائب يمثل المواطنين جميعاً، ولا يقتصر دوره على تمثيل طائفة أو فئة بعينها، وأن ممارسة الوظيفة التشريعية تستلزم تقبّل النقاش بشأن القوانين وآثارها.

ودعا وسائل الإعلام إلى إتاحة فرص متوازنة للمعارضين والمؤيدين للتعبير عن مواقفهم، بما يعكس تعدد الآراء داخل المجتمع ويساعد على إجراء نقاش موضوعي بشأن المدونة، وصولاً إلى معالجة الإشكالات القائمة ضمن الأطر الدستورية والقانونية.

مخاوف بشأن سلامة النشطاء

وعلى صعيد متصل، قالت الناشطة في مجال حقوق الإنسان رؤى خلف: إن حملات التحريض والتشهير ضد المعارضين للمدونة الجعفرية وتعديلات قانون الأحوال الشخصية ليست جديدة، حيث تشهد تراكماً وتصاعداً في الخطاب، محذرة من أن استمرارها من دون محاسبة قد يدفعها إلى مستويات أكثر خطورة، تصل إلى التهديد بالقتل واستهداف النساء المشاركات في الفضاء العام.

وأضافت خلف في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن غياب المساءلة عن خطابات التحريض، إلى جانب ما وصفته بضعف استجابة الجهات المعنية للشكاوى، أسهما في اتساع نطاق خطاب الكراهية، مشيرة إلى أن الإبلاغ عن المنشورات والتعليقات المسيئة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومنها شركة «ميتا»، لا يقابله في كثير من الأحيان تعامل سريع مع المحتوى المبلغ عنه، الأمر الذي يتيح استمرار انتشاره.

وأوضحت أن هذه الحملات لا تقتصر آثارها على الناشطين والناشطات المستهدفين وتمتد إلى عائلاتهم وأبنائهم والمقربين منهم، فضلاً عن الأسر التي تتأثر بالتشريعات محل النقاش، ما قد يدفع بعض المتضررين إلى التراجع عن التعبير عن آرائهم أو الدفاع عن حقوقهم خشية التعرض للتحريض والتشهير.

وبينت خلف أن هذه الخطابات تمثل تحدياً أمام حملات المدافعين عن حقوق الإنسان، ولا سيما الحملات المتعلقة بقانون الأحوال الشخصية، لكنها شددت على أن خطورة التحريض لا ينبغي أن تدفع الناشطين إلى التراجع عن مناقشة القضايا التي تمس شرائح واسعة من المجتمع.

وأشارت إلى أنها تتعرض، على غرار ناشطين وناشطات آخرين، لحملات تتضمن اتهامات وتحريضاً وتهديداً، لافتة إلى أنها رصدت على صفحتها منشورات وتعليقات من هذا النوع، فضلاً عن شكاوى أو بلاغات قدمتها جهات ضد خطابها، تتهمها بالطائفية أو تهديد الأمن، وهو ما عدّته توظيفاً للمعايير الحقوقية بصورة انتقائية.

وانتقدت خلف دور المؤسسات الرسمية في التعامل مع هذه الحملات، معتبرة أن بعض الخطابات الصادرة عن شخصيات تنتمي إلى هذه المؤسسات أسهمت في تأجيجها، من خلال تصوير المعترضين على المدونة باعتبارهم مناهضين للدين أو مخالفين للقانون، فضلاً عن توجيه اتهامات تتعلق بتلقي تمويل خارجي أو استخدام أوصاف مسيئة بحق الناشطين والناشطات.

وأكدت أن عمل المنظمات والناشطين في مجال حقوق الإنسان يجري، بحسب قولها، ضمن الأطر القانونية والمؤسسية، محذرة من أن إطلاق اتهامات غير مثبتة من شخصيات سياسية أو دينية مؤثرة ينعكس على نظرة الجمهور إلى المدافعين عن الحقوق، ويمنح خطاب التخوين والتحريض مساحة أوسع للانتشار.

وختمت خلف بالتأكيد على أن استمرار هذه الحملات، في ظل ما وصفته بغياب الحماية والمساءلة الفاعلتين، يترك المدافعين عن حقوق الإنسان عرضة للاستهداف، ويهدد حقهم في التعبير والمشاركة في النقاش العام بشأن التشريعات التي تمس المجتمع.