اخر الاخبار

سجل سعر صرف الدولار في السوق الموازية ارتفاعاً جديداً ليتجاوز حاجز 160 ألف دينار لكل 100 دولار، في تحرك أعاد مخاوف ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية إلى واجهة المشهد الاقتصادي، وسط تباين في تفسير أسباب الصعود بين تأثيرات السوق والضغوط المالية والتصريحات السياسية.

المركزي: مضاربات وتوقعات

من جهته، أكد البنك المركزي العراقي أن الاحتياطيات الأجنبية تلبي جميع الطلبات على العملة الأجنبية الخاصة بتمويل التجارة الخارجية، وتسوية البطاقات المصرفية، فضلا عن طلبات المسافرين للحصول على الدولار النقدي، وفقا لسعر الصرف الرسمي المعتمد.

وعزا البنك المركزي ارتفاع سعر الصرف في الأسواق المحلية إلى المضاربات والتوقعات، فضلا عما وصفه بسوء استخدام الظروف الجيوسياسية في المنطقة لإرباك الأوضاع الاقتصادية والمالية من قبل بعض المستفيدين من هذه الحالة.

وأكد البنك المركزي استمرار تمويل التجارة الخارجية وفقا للأغراض والقنوات المعتمدة، بما يضمن انسيابية الاستيرادات وتوفير احتياجات السوق المحلية.

القوى السياسية تتحمل المسؤولية الكبرى

ويرى المحلل السياسي د. عباس الجبوري أن التصريحات السياسية المتضاربة بشأن سعر الصرف والموازنة والسياسات المالية تسهم في زيادة حالة عدم اليقين في السوق، وتنعكس بصورة مباشرة على حركة الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين.

ويقول الجبوري لـ«طريق الشعب» إن القوى السياسية تتحمل جانباً من مسؤولية الاضطراب الاقتصادي، نتيجة ما وصفه بـ«التناقض في الخطاب الاقتصادي»، موضحاً أن التصريحات المتعلقة بإمكانية خفض أو رفع سعر الصرف، أو إجراء تغييرات في الموازنة العامة، تخلق حالة من عدم اليقين لدى التجار والمستثمرين، وتدفع بعضهم إلى اتخاذ إجراءات احترازية تحسباً لأي تغييرات محتملة. ويضيف أن التنافس السياسي والتصعيد الإعلامي قد يحولان الملف الاقتصادي إلى أداة للمساومة والضغط، الأمر الذي يربك الأسواق الموازية، ويتيح مجالاً أكبر للمضاربة، في وقت يؤدي فيه غياب رؤية اقتصادية موحدة وضعف الرقابة إلى زيادة صعوبة ضبط حركة الأسعار.

ويشير الجبوري إلى أن تأثير التصريحات السياسية لا يتوقف عند الجانب المعنوي، بل يمكن أن يظهر سريعاً في السوق، موضحاً أن التاجر، عند سماعه تصريحات تتحدث عن احتمال انخفاض قيمة العملة المحلية أو حدوث أزمة مالية، قد يلجأ إلى رفع أسعار السلع التي ترتبط كلفتها بالدولار، تحسباً لارتفاع كلفة استيرادها أو تراجع قيمة رأس المال، وهو ما ينعكس في النهاية على المستهلك.

ويعتقد أن الحد من هذه التأثيرات يتطلب ضبط الخطاب المتعلق بالسياسة النقدية والمالية، بحيث تصدر المعلومات والتوضيحات بشأن سعر الصرف والموازنة من الجهات الرسمية المخولة، إلى جانب التزام القوى السياسية بـ«ميثاق شرف اقتصادي» يبعد الملفات المعيشية عن السجالات السياسية والإعلامية. ويؤكد أهمية سرعة المؤسسات الرسمية في التعامل مع الشائعات والمعلومات غير الدقيقة، عبر تقديم توضيحات واضحة ومبسطة للرأي العام، بما يقلل من حالة القلق التي قد تدفع التجار والمستهلكين إلى اتخاذ قرارات تؤثر في السوق.

وبشأن الإجراءات المطلوبة للحد من ارتفاع الأسعار، يدعو الجبوري الحكومة إلى تفعيل أدوات الرقابة والتفتيش وتشديد الجولات الميدانية للجهات المختصة بمكافحة الاحتكار والمضاربة، إلى جانب تعزيز دور البطاقة التموينية وتأمين المواد الأساسية للفئات الأكثر هشاشة. كما يشدد على أهمية دعم الإنتاج المحلي، ولا سيما القطاعين الزراعي والصناعي، بهدف تقليل الاعتماد على الاستيراد والتخفيف من تأثر السوق المحلية بتغيرات أسعار الصرف والأسواق الخارجية.

ويلفت إلى أن تعزيز الشمول المالي وأتمتة المعاملات التجارية يمكن أن يساهما في تقليل الاعتماد على التعاملات النقدية والحد من اتساع السوق الموازية، داعياً في الوقت نفسه مجلس النواب والقوى السياسية إلى تحديث التشريعات المرتبطة بحماية المستهلك والمنافسة ومكافحة الاحتكار.

ويتابع الجبوري أن تحقيق استقرار اقتصادي مستدام يحتاج أيضاً إلى سياسات مالية واستثمارية طويلة الأمد تقلل من الاعتماد على الإيرادات النفطية وتدعم تنويع مصادر الدخل، فضلاً عن الحفاظ على استقلالية المؤسسات المالية والنقدية وإبعادها عن التجاذبات السياسية، بما يتيح لها أداء مهامها وفق أدواتها المهنية.

الجميع متضرر

من جانبه، ذكر عضو اللجنة المالية النيابية، جمال كوجر، أن التغيير الأول الذي حصل عام 2021 أفاد الحكومة بنسبة 30 في المائة، فيما تضرر المواطن بنسبة 32 في المائة، أما الآن «فالجميع متضرر».

وأضاف كوجر في حديث لـ«طريق الشعب» أن المواطن متضرر بشكل مباشر، لكن الحكومة أيضاً تضررت من عدة جهات، أولها ارتفاع الأسعار، في وقت ستبيع فيه الحكومة دولاراتها إلى البنك المركزي بسعر 1450 ديناراً، كما سيأتي في مسودة الموازنة، وبالتالي لن تكون مستفيدة من هذه الناحية.

ومن ناحية أخرى، فإن التضخم والكساد اللذين سيصيبان التجارة سينعكسان على المنافذ الحدودية والضرائب، وبالتالي فإن الجميع متضرر. ويؤكد أن الحل الوحيد هو التزام الحكومة بالنظام الجديد، لأن الحلول الترقيعية لم تعد تنجح، خصوصاً مع وجود قضايا سياسية ضاغطة دخلت في هذا الموضوع.

اختلال العرض والطلب

ويقول الباحث الاقتصادي أحمد عيد إن ارتفاع سعر الصرف مؤخراً يعكس اختلالاً متزايداً بين العرض والطلب على الدولار النقدي، مع تراجع الكميات المعروضة وارتفاع الطلب التجاري خارج القنوات المصرفية الرسمية.

ويبين عيد لـ«طريق الشعب» أن ذلك «يأتي بالتزامن مع تشديد العقوبات الأميركية على إيران وشبكاتها المالية»، وهو عامل لا يمكن فصله عن السوق العراقية بسبب حجم التداخل التجاري والأجندات الاقتصادية والسياسية العاملة في العراق، موضحاً بالقول: «أي تضييق على قنوات التسوية والتحويلات قد يدفع جزءاً من التجارة إلى البحث عن الدولار النقدي أو قنوات بديلة، بما يضيف ضغطاً على السوق الموازية».

ويبين أن «تراجع الإيرادات النفطية والضغوط التي تواجه المالية العامة عززا حالة عدم اليقين والطلب الاحترازي على الدولار، فيما جاءت المضاربة لتسرّع وتيرة الارتفاع، وليست السبب الوحيد له».

ويؤكد عيد، أن معالجة هذه الفجوة لا تتم بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما بزيادة قدرة التجار على تمويل الاستيراد عبر القنوات الرسمية، وضمان انسيابية التحويلات، وزيادة المعروض النقدي المشروع، مع تشديد الرقابة على عمليات تهريب الدولار والتحويلات المرتبطة بالجهات الخاضعة للعقوبات.