تتجه الأنظار إلى الموازنة الاتحادية لعام 2027، فيما تتصاعد التساؤلات حول قدرة الحكومة على تحقيق التوازن بين الإيرادات المتوقعة وحجم الإنفاق والالتزامات المتراكمة، في ظل تحديات مالية واقتصادية تفرضها التقلبات في سوق النفط، وملفات شائكة أبرزها التعيينات وتثبيت العقود وحصة إقليم كردستان.
العصب الأول المهدد بمضيق هرمز
وتأتي موازنة 2027 في ظرف مالي هو الأكثر تعقيداً منذ سنوات، بعد أن تعثر إقرار جداول عام 2025 ضمن إطار الموازنة الثلاثية، وتعثر إقرار موازنة 2026 بالكامل، ما اضطر الحكومة إلى إدارة الإنفاق العام طوال هذه المدة وفق آليات الصرف المؤقت التي ينص عليها قانون الإدارة المالية الاتحادية، بدلاً من موازنة مُقرة من مجلس النواب.
وتحتل الإيرادات النفطية موقع الصدارة بين العوامل التي ترسم ملامح الموازنة المقبلة، في ظل استمرار تداعيات الاضطراب الذي يشهده تصدير النفط جراء أزمة مضيق هرمز. وتشير بيانات حديثة إلى أن بغداد تعمل بالتوازي على تعزيز مسارات تصدير بديلة عبر الشمال، حيث بدأت بتجربة نقل النفط الخام براً من الحقول الجنوبية إلى منشآت في محافظة كركوك، بهدف زيادة الإمدادات الواصلة إلى منظومة التصدير عبر ميناء جيهان التركي، فيما لا تزال محدودية القدرات اللوجستية عائقاً أمام توسيع هذا المسار.
في هذا السياق، تحدث مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية، مظهر محمد صالح، عن صعوبة إعداد موازنة 2027 في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بإيرادات النفط، مؤكداً أن تنفيذ الإنفاق التشغيلي والاستثماري سيبقى مرهوناً بمدى توافر مصادر التمويل واستقرار حركة التصدير، مع إبقاء الأولوية القصوى لتغطية الرواتب والأجور والمعاشات والرعاية الاجتماعية والنفقات الحكومية الأساسية.
عجز يتجاوز 60 تريليون دينار
ويشكل حجم العجز المتوقع، وسبل تمويله، واحداً من أكثر الملفات إلحاحاً أمام معدّي الموازنة. وكانت تقديرات منشورة حديثاً قد أشارت إلى أن هذا العجز قد يتجاوز 60 تريليون دينار عراقي، فيما لا تزال الأرقام النهائية المتعلقة بحجم الإنفاق والإيرادات وسعر برميل النفط وكميات التصدير قيد الإعداد والمراجعة، قبل أن يأخذ مشروع الموازنة صيغته النهائية ويُحال إلى مجلس النواب.
ويحضر ملف حصة إقليم كردستان بقوة ضمن الملفات المرتبطة بإعداد الموازنة الاتحادية، إذ تجري حالياً مباحثات بين حكومة الإقليم والجهات الاتحادية بشأن الاستحقاقات المالية والنفطية لعام 2027. وفي التاسع من أيلول الجاري، بحث وفد من حكومة الإقليم، خلال زيارة إلى بغداد، مع وزارتي المالية والنفط تقديرات حجم النفط المصدّر، وسعر البرميل، والكميات المخصصة للاستهلاك المحلي، إضافة إلى حقوق موظفي الإقليم واستحقاقاته المالية المستحقة.
التعيينات.. وعود سياسية أمام واقع معقد
ويتصدر ملف التعيينات وتثبيت العقود والأجراء اليوميين قائمة الالتزامات المالية التي يجري بحث إمكانية إدراجها ضمن موازنة 2027. وكانت اللجنة المالية النيابية قد أعلنت حصول موافقة وزير المالية على تضمين ملف تثبيت العقود ضمن تخصيصات الموازنة المقبلة، فيما تحدث نواب عن نيتهم إدراج معالجة أوضاع هذه الفئات ضمن مشروع القانون نفسه.
غير أن هذا الملف يصطدم بمعطيات مغايرة على الأرض. فعضو في اللجنة المالية النيابية أكد، في حديث مقتضب، أن أي حديث عن تثبيت أو إطلاق تعيينات جديدة لا يتجاوز كونه "كلاماً" في هذه المرحلة، كون الأمر مرتبطاً بتخصيصات مالية غير موجودة أصلاً ضمن الموازنة.
وفي السياق ذاته، أكد مصدر في وزارة المالية، أن "موازنة 2027 خالية تماماً من استحداث درجات وظيفية"، مشيراً إلى أن مجلسي الوزراء والنواب سبق أن خاطبا وزارة المالية بكتب رسمية لتحويل جميع العاملين بعقود إلى الملاك الدائم، إضافة إلى شمول العاملين بالأجور اليومية ضمن قرار مجلس الوزراء رقم 315 لسنة 2019، لكن هذه المخاطبات لم تجد بعد طريقها إلى تخصيصات فعلية في مشروع الموازنة.
خمس صعوبات رئيسية
من جهته، حدد الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي خمس صعوبات رئيسية تواجه إعداد موازنة العراق لعام 2027، تتعلق بتقدير أسعار النفط والكميات المصدرة، وتمويل العجز المخطط، وحصة إقليم كردستان، فضلاً عن ملف التعيينات وتثبيت العقود والالتزامات المالية للموظفين، إلى جانب ارتفاع التخصيصات المالية لوزارة النفط.
وقال المرسومي، إن "الصعوبة الأولى تتمثل في تقدير سعر برميل النفط والكميات المصدرة منه، في ضوء الظروف الحالية في المنطقة المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، وعدم وضوح الرؤية بشأن المدى الزمني الذي ستستمر فيه هذه الأوضاع".
وأضاف أن "الصعوبة الثانية تتعلق بتمويل العجز المخطط في الموازنة، والذي قد يتجاوز 60 تريليون دينار، في ظل الارتفاع الكبير في الدين الداخلي، فضلاً عن صعوبة الحصول على دين خارجي كبير".
وأشار المرسومي إلى أن "الصعوبة الثالثة تتمثل في حصة كردستان في الموازنة، والتي رفعتها بناءً على التعداد العام للسكان الأخير إلى 14.1 في المائة، وبمقدار 29 تريليون دينار".
وتابع أن "الصعوبة الرابعة تتعلق بملف التعيينات وتثبيت العقود والأجراء، والالتزامات المالية المستحقة للموظفين منذ أكثر من عام".
وبيّن أن "الصعوبة الخامسة تتمثل في التخصيصات المالية لوزارة النفط، التي سترتفع كثيراً بسبب تطبيق النموذج الاقتصادي الجديد لتسعير النفط الداخلي المخصص للاستهلاك المحلي".
وأوضح المرسومي أن هذه الملفات تمثل أبرز التحديات التي تواجه إعداد موازنة عام 2027، في ظل المتغيرات المتعلقة بأسواق النفط والتمويل والالتزامات المالية للدولة.
عبء الالتزامات وخيار الاقتراض
من جانبه، رأى الكاتب والباحث السياسي والاقتصادي قاسم السلطاني، أن موازنة 2027 تواجه جملة من الالتزامات والأعباء، في مقدمتها ملف التعيينات الجديدة، والعلاوات المتوقفة عن الموظفين منذ سنوات، إضافة إلى استحقاقات تعيين الخريجين الأوائل وذوي المهن الطبية.
وقال السلطاني لـ"طريق الشعب": "هناك خطة للموازنة لعام 2027، وهي مثقلة بكثير من الأعباء، من بينها ما يتعلق بالتعيينات، والعلاوات للموظفين المتوقفة، فضلاً عن تعيينات الخريجين الأوائل وذوي المهن الطبية".
وفيما يخص سقف سعر النفط المعتمد، أوضح أنه "تم الاتفاق تقريباً على سعر يتراوح بين 53 و54 دولاراً للبرميل"، معتبراً أن هذا السقف يأتي انعكاساً للظروف التي تمر بها المنطقة، ومنها إغلاق مضيق هرمز وعدم اكتمال تعدد منافذ تصدير النفط، مثل جيهان وينبع، وهو ما أثّر على مستوى الصادرات النفطية العراقية التي تعتمد عليها الموازنة بصورة أساسية كمصدر للإيرادات.
وفي ما يتعلق بتنويع موارد الدولة، أشار إلى أن توجهات الحكومة، في ظل وجود وزير المالية علي الزيدي، تتجه نحو العمل على تعدد مصادر الإيرادات، لافتاً إلى وجود مصدر جيد يتمثل بالمنافذ الحدودية قد يصل إلى أكثر من 500 مليار دينار عراقي.
واعتبر أن تنويع مصادر الإيرادات يمكن أن يرفد الموازنة، خصوصاً في ظل الإشكالات المرتبطة بتصدير النفط، مؤكداً تفضيله "تنوع الصادرات العراقية أو التعددية في موارد الموازنة".
وبخصوص حصة كردستان، أوضح أن الجانب الكردي يطالب باحتساب حصته وفق نسبة السكان البالغة نحو 14.1 في المائة، بدلاً من النسب السابقة التي كانت تتراوح بين 12 و13 في المائة، معتبراً أن ارتفاع النسبة السكانية المفترضة للإقليم قد ينعكس على حجم حصته من الموازنة الاتحادية.
الاقتراض.. خيار محفوف بالمخاطر
ورأى السلطاني أن الحكومة قد تجد نفسها، في حال عدم كفاية الإيرادات لتغطية الالتزامات، أمام خيار الاقتراض، مرجحاً أن يكون الاقتراض الداخلي من بعض المصارف المحلية أحد الخيارات المطروحة، كونه يسمح بتسوية الدين داخل البلاد. في المقابل، حذر من أن الاقتراض الخارجي "قد يكلف البلد أثماناً باهظة"، بسبب الفوائد المترتبة عليه والممتدة لفترات طويلة.
كما تطرق إلى إجراءات ترشيد الإنفاق، مشيراً إلى وجود معلومات بشأن إمكانية خفض الإنفاق والإيفادات الحكومية بهدف تقليل الأعباء على موازنة الدولة.
واختتم السلطاني حديثه بالتأكيد على أهمية مواصلة استرداد الأموال العامة وملاحقة المتورطين بملفات الفساد، قائلاً: "حملة الفجر يجب أن تستمر، وألا تتوقف، حتى تكتمل الصفحة الثانية، وهي الوصول إلى الرؤوس الكبيرة والحيتان الكبيرة التي استحوذت على أموال العراق وثرواته".