تشهد سوق العقارات في العراق ارتفاعا متواصلا في أسعار البيع والإيجارات، وسط اتساع أزمة السكن وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، الأمر الذي جعل تأمين مسكن ملائم، تحديا متزايدا خاصة امام الشباب الباحثين عن الاستقلال.
باحث: رسوم وغرامات بلا معايير
يرى الباحث الاقتصادي عبد السلام حسن حسين، متخصص في اقتصاد العقارات، أن هذا القطاع بات يعاني من تدخلات وإجراءات حكومية اسهمت في زيادة كلف البيع والشراء، مشيرا إلى أن تعدد الرسوم والإجراءات وتعقيد المعاملات يحمّل المواطن أعباء إضافية، ويؤثر في حركة السوق العقارية.
ويقول حسين لـ"طريق الشعب"، إن الدولة اتجهت لتنظيم عمليات بيع وشراء العقارات عبر المنصة الإلكترونية وإدخال عدد من الإجراءات الجديدة، مبينا أن التطوير التقني مطلوب من حيث المبدأ، لكنه لا يتلاءم مع الواقع العراقي إذا لم يرافقه تنظيم واضح وضوابط تحد من ارتفاع التكاليف.
ويضيف أن المواطن يتحمل مبالغ كبيرة عند اتمام معاملة بيع او شراء العقار، نتيجة تعدد الجهات المعنية، منها أمانة بغداد والدوائر الضريبية ودائرة التسجيل العقاري، مشيرا إلى أن بعض الرسوم والغرامات تفرض من دون وجود معايير واضحة، تضمن التناسب بين قيمة العقار وحجم المبلغ المستوفى.
ويشير حسين إلى أن ارتباط معاملات العقار بعدة دوائر حكومية يضاعف من معاناة المواطنين، لافتا الى أن المراجع الذي يرغب في بيع عقاره أو استثماره أو توفير السيولة لحاجة طارئة، يجد نفسه أمام سلسلة طويلة من الإجراءات، تبدأ بفتح البيان، وتستمر عبر أكثر من جهة، فضلاً عن الزخم الكبير الذي تشهده دوائر التسجيل العقاري.
ويؤكد أن غياب الضوابط الدقيقة في تحديد الرسوم والغرامات يفتح المجال أمام التفاوت في تقديرها، موضحاً أن وجود معيار واضح، كنسبة محددة من قيمة العقار، من شأنه أن يجعل المواطن يعرف مسبقاً حجم المبالغ التي سيتحملها، ويحد من الاجتهادات في تقدير الكلف.
وفي جانب آخر، يحذر حسين من تأثير المضاربات وعمليات شراء العقارات لأغراض غير مرتبطة بالسكن أو الاستثمار الحقيقي في السوق، موضحاً أن بعض العقارات قد تُشترى بأسعار معينة، ثم تُعرض لاحقاً بمبالغ مضاعفة، من دون أن يكون المشتري راغباً فعلياً في بيعها، وإنما بهدف رفع السعر السائد في المنطقة.
ويرى ان هذه الممارسات تسهم في تشويه حركة السوق ورفع أسعار العقارات بصورة لا تعكس قيمتها الحقيقية، الأمر الذي ينعكس بصورة اكبر على الشباب والخريجين الذين يواجهون صعوبة في الحصول على فرص عمل ودخول مستقرة تمكنهم من شراء مساكن.
ويشير حسين الى أن أزمة السكن وارتفاع أسعار العقارات لا يمكن فصلهما عن الوضع الاقتصادي العام، ولا سيما محدودية فرص العمل والتعيين بالنسبة للشباب، مؤكداً أن ضعف القدرة الشرائية يدفع شريحة واسعة منهم إلى العجز عن امتلاك السكن أو حتى تحمل الارتفاع المستمر في أسعار الإيجارات.
8 مليارات.. خسائر يومية
كما ينتقد تعدد مراكز القرار وتداخل الجهات المسؤولة عن إدارة الملف الاقتصادي والعقاري، معتبراً أن غياب رؤية موحدة ينعكس على أداء المؤسسات الحكومية وعلى قدرة الدولة في ضبط السوق.
ويقدر حسين الخسائر اليومية التي يتكبدها الاقتصاد العراقي نتيجة التعقيدات المرتبطة بالقطاع العقاري بنحو ٨ مليارات دينار يومياً، مشيرا الى أن هذه الخسائر يمكن أن تتراكم إلى مبالغ أكبر خلال أيام العمل، داعيا الحكومة إلى إعادة النظر في آليات إدارة الملف ووضع ضوابط واضحة تحمي المواطن والسوق في آن واحد.
ويشدد على ضرورة اعتماد مبدأ التناسب في استيفاء الرسوم، بحيث تكون المبالغ المفروضة معروفة ومحددة مسبقاً وفق قيمة العقار، إلى جانب تبسيط الإجراءات وتقليل الحلقات الإدارية التي يمر بها المواطن لإنجاز معاملته.
ويخلص حسين الى أن معالجة أزمة سوق العقارات تتطلب إسناد الملف إلى أصحاب الاختصاص والخبرة، ووضع آليات واضحة وشفافة لتنظيم عمليات البيع والشراء والتسجيل، محذراً من أن استمرار الإجراءات غير المنضبطة وتعدد الجهات المتداخلة في السوق سيبقيان من أبرز العوامل التي تضغط على المواطنين وتزيد من اضطراب أسعار العقارات.
المجمعات السكنية جزء من المشكلة؟
من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي ضياء المحسن، إن ارتفاع الإيجارات في بغداد والمحافظات يرتبط بالدرجة الأولى بعدم قيام الحكومات المحلية بتوزيع قطع الأرض السكنية على المواطنين من مختلف الفئات، بالتزامن مع النمو السكاني الذي أدى لانشطار الأسر بسبب ضيق المساحات السكنية التي تقطنها.
ويضيف المحسن في حديث لـ"طريق الشعب"، أن المجمعات السكنية المنتشرة في مختلف أنحاء العراق والتي يفترض أن تسهم في معالجة أزمة السكن، تحولت بدورها لجزء من المشكلة، نتيجة ارتفاع أسعار الوحدات السكنية فيها، ما جعلها بعيدة عن قدرة شرائح واسعة من المواطنين.
ويشير إلى أن أزمة السكن في بغداد تبدو أكثر تعقيدا بفعل الهجرة من المحافظات القريبة والبعيدة بحثا عن فرص العمل، باعتبار العاصمة سوقا تجارية كبيرة، وتتوفر فيها فرص عمل أكثر مقارنة بمناطق أخرى، الأمر الذي يزيد الطلب على الوحدات السكنية ويرفع أسعار الإيجارات.
وفيما يتعلق بالسياسات الحكومية، يرى المحسن أنها لم تقدم حلولا حقيقية لأزمة السكن، بل أسهمت في تفاقمها وتعقيدها ولا سيما السياسات المرتبطة بالضرائب والرسوم التي اعتمدتها الحكومة في إطار مساعيها لتنويع الإيرادات غير النفطية، من دون أن تراعي انعكاساتها على المواطنين وسوق السكن.
ويشدد على ضرورة معالجة أسباب الهجرة من المحافظات عبر توفير فرص العمل للسكان في مناطقهم الأصلية، الأمر الذي من شأنه تخفيف الضغط السكاني على بغداد، كذلك على محافظة البصرة، وتقليل الطلب المتزايد على السكن فيهما.
كما يدعو الحكومة الى إلزام المحافظات بحصر المساحات التي يمكن تخصيصها وتوزيعها كقطع أرض على المواطنين الذين لا يمتلكون وحدات سكنية، محذراً في الوقت ذاته من إدخال المطورين العقاريين في هذه العملية، أو منح تلك الأراضي لمستثمرين، بدلا من توجيهها مباشرة إلى المستحقين.
غياب سياسة إسكانية واضحة
فيما يقول علي القيسي، مراقب للشأن المحلي، ان الارتفاع المتواصل في أسعار العقارات والإيجارات بات يشكل عبئا كبيرا على الشباب، ويجعل امتلاك السكن أو حتى الاستقلال عن الأسرة أمرا صعبا بالنسبة لشريحة واسعة منهم، في ظل محدودية الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويضيف القيسي لـ"طريق الشعب"، ان اسعار العقارات في بغداد وصلت لمستويات لا تتناسب مع القدرة الشرائية للمواطن، مشيرا الى ان سعر المتر في بعض مناطق العاصمة تجاوز في فترات سابقة 13 مليون دينار، فيما تتجاوز أسعار الشقق في غالبية المجمعات مئات الملايين، وهو ما يجعل شراء منزل بالنسبة الى الشاب الذي يعتمد على راتب شهري أمراً شبه مستحيل.
ويعتقد أن استمرار ارتفاع الأسعار قد يدفع كثيرا من الشباب الى تأجيل مشاريع الزواج او البقاء مع أسرهم لسنوات طويلة، فيما يضطر آخرون لاستنزاف جزء كبير من دخولهم في بدلات الايجار، بدلا من توجيهها للادخار أو تأسيس حياتهم الأسرية.
ويرى القيسي أن المشكلة لا تتعلق بالسوق وحده، وإنما ترتبط أيضا بطريقة إدارة الدولة لملف العقارات والأراضي، مبيناً أن غياب سياسة إسكانية واضحة وفعالة إلى جانب ضعف الرقابة على السوق، سمحا بتنامي المضاربات وبرفع أسعار العقارات إلى مستويات تفوق إمكانات غالبية المواطنين.
ويحذر القيسي من أن استمرار أزمة السكن بهذه الصورة ستكون له انعكاسات اجتماعية وسياسية، لأن الشاب الذي يعجز عن تأمين سكن أو تأسيس أسرة نتيجة ارتفاع الأسعار، يشعر بأن السياسات العامة لا تستجيب لاحتياجاته الأساسية، داعيا إلى التعامل مع السكن بوصفه حقاً للمواطن ومسؤولية مباشرة تقع على عاتق الدولة.