لم تعد عمليات الصيد الجائر في مناطق نينوى تقتصر على استهداف اعداد من الطيور البرية بل باتت تثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التنوع الأحيائي في المحافظة، ولا سيما مع عودة طائر القطا لعدد من مناطقها بعد سنوات من الغياب. وبينما تشكل هذه الطيور جزءا من المنظومة البيئية، يهدد الصيد العشوائي، بجانب التغيرات المناخية وفقدان المواطن الطبيعية، استمرار وجودها ويضع الحياة البرية أمام تحديات متفاقمة.
الحياة البرية مهددة
قال المرشد السياحي حارث العكيلي إن طائر القطا يمثل جزءا مهما من التنوع الطبيعي في مناطق نينوى تحديدا البعاج وتلعفر والحضر والمحلبية والقيارة وإن عودته للمحافظة خلال السنوات الماضية كانت مؤشرا إيجابيا على تحسن الظروف الطبيعية والأمنية في عدد من المناطق، خاصة انه يساهم في زيادة خصوبة التربة عبر فضلاته ويتغذى على اليرقات والديدان، كما يشكل فريسة للطيور الجارحة، بما يجعلهما جزءا من عملية التوازن الاحيائي، إلا أن تصاعد عمليات الصيد الجائر يثير مخاوف من تراجع أعداده مجدداً.
وأضاف العكيلي لـ"طريق الشعب" أن ما يحدث من صيد عشوائي لا ينعكس على الطيور وحدها، وإنما يؤثر في البيئة المحلية بصورة عامة، خصوصاً أن الحياة البرية تعد من المقومات التي يمكن أن تستند إليها السياحة البيئية في نينوى، لافتاً إلى أن المحافظة تمتلك مساحات واسعة وبيئات طبيعية متنوعة يمكن استثمارها في تنظيم رحلات لمراقبة الطيور والتعرف الى الحياة البرية.
وأوضح أن مشاهدة الطيور في بيئتها الطبيعية أصبحت من الأنشطة التي تجذب المهتمين بالسياحة البيئية، مبيناً أن وجود طيور مهاجرة أو عائدة إلى مناطق نينوى يمكن أن يشكل فرصة لتنشيط هذا النوع من السياحة، شرط توفير الحماية اللازمة للطيور وتنظيم عمليات الوصول إلى مناطق وجودها.
وأشار إلى أن الصيد يؤدي إلى قتل أعداد كبيرة من الطيور في وقت قصير، وهو ما يجعل استمرار هذه الممارسات خطراً على استدامة الحياة البرية، داعياً إلى تشديد الرقابة في المناطق البعيدة والنائية التي يصعب الوصول إليها بشكل مستمر.
وبين العكيلي، أن المرشد السياحي له دور في نشر الثقافة البيئية بين السائحين، من خلال توجيههم بعدم الاقتراب من أماكن تجمع الطيور أو إزعاجها، وعدم شراء الطيور المصطادة وتعريفهم بأهمية المحافظة على الأنواع البرية.
وأكد أن حماية الطيور لا تتعلق بالجانب البيئي فقط، بل يمكن أن تكون لها أهمية سياحية واقتصادية مستقبلاً، لأن الحفاظ على التنوع الطبيعي يفتح المجال أمام تطوير السياحة البيئية واستقطاب المهتمين بالطبيعة والتصوير ومراقبة الطيور.
ودعا العكيلي الجهات المعنية إلى زيادة التنسيق بين شرطة البيئة والجهات الأمنية والناشطين البيئيين والمرشدين السياحيين، مع تكثيف حملات التوعية والرقابة، ولا سيما خلال مواسم وجود الطيور، لضمان استمرارها في مناطق نينوى وعدم تحولها إلى ضحية للصيد التجاري والعشوائي.
الصيد الجائر وطائر القطا
فيما قال الناشط البيئي في مؤسسة مثابرون أنس الطائي، ان بعض الصيادين يتمكنون من اصطياد مئات الطيور خلال الرحلة الواحدة، قبل بيعها بأسعار زهيدة تتراوح بين الف و٣٠٠ الف دينار للطائر الواحد.
واضاف الطائي لـ"طريق الشعب" أن عمليات الصيد تتركز بصورة خاصة في أقضية البعاج والحضر وتلعفر فضلا عن ناحيتي الشورة والقيارة، مبينا ان الصيادين يعتمدون على الشبك باصطياد القطا.
واكد ان بعض الصيادين يستخدمون البنادق وهو ما يراه عملية خطرة تنعكس سلبا على اعداد الطيور، إذ يمكن للطلقة الواحدة أن تؤدي إلى نفوق ما بين 50 و100 طائر، الأمر الذي يزيد من حجم الخسائر التي تتعرض لها هذه الطيور.
وبين أن مؤسسته رصدت ٦ حالات صيد، ضمت كل حالة منها نحو 200 طائر، وقد احيل أصحابها للمحاكم. فيما صدرت بحق بعضهم غرامات مالية أو أحكام بالسجن مع وقف التنفيذ.
ولفت الطائي إلى أن طائر القطا عاد إلى مناطق نينوى عام 2019، بعد سنوات من الغياب بسبب ظروف الحرب والنشاط العسكري، إلا أن عودته باتت مهددة مجدداً نتيجة تصاعد عمليات الصيد الجائر.
وأضاف أن المؤسسة تعتمد في رصد المخالفات على بلاغات المواطنين، إلى جانب متابعة عمليات بيع الطيور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف تحديد الصيادين وملاحقة المخالفين.
وأكد الطائي أن عناصر الأمن الوطني ضبطوا حالات صيد مخالفة في المناطق البعيدة عن مراكز شرطة البيئة، داعياً إلى دعم الجهات المعنية بالمزيد من العجلات وتوفير الوقود اللازم، نظراً إلى حاجتها للتحرك المستمر والوصول إلى المناطق النائية لملاحقة عمليات الصيد الجائر والحد منها.
الناشطة البيئية رحمة اياد، تقول إن التنوع الأحيائي يمثل ثروة طبيعية أساسية لأي منطقة لأنه يحافظ على توازن الأنظمة البيئية ويدعم استمرار السلاسل الغذائية، فضلاً عن أهميته في توفير بيئة صحية للإنسان.
وأكدت اياد لـ"طريق الشعب" أن فقدان أي نوع من الكائنات لا يعني خسارة ذلك النوع وحده، بل قد يترك تأثيرات متتابعة على بقية مكونات البيئة.
وأضافت أن تراجع التنوع الأحيائي يرتبط بعدة عوامل أبرزها فقدان المواطن الطبيعية نتيجة التوسع العمراني وتغيير استخدام الأراضي، لجانب التلوث والصيد الجائر وقطع الغطاء النباتي، فضلاً عن إدخال بعض الأنواع الدخيلة التي قد تنافس الأنواع المحلية على الغذاء والموائل.
وأوضحت إياد أن التغيرات المناخية أصبحت عاملا إضافيا يزيد الضغوط على الحياة البرية، خصوصا مع ارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الأمطار وتكرار موجات الجفاف، مشيرة إلى أن تغير الظروف المناخية يمكن أن يؤثر في مصادر المياه والغذاء، ويدفع بعض الحيوانات والطيور لتغيير أماكن وجودها أو مسارات هجرتها، ما يجعل قدرتها على التكيف والبقاء أكثر صعوبة.
ولفتت إلى أن نينوى، شأنها شأن بقية مناطق العراق، تحتاج إلى اهتمام أكبر بحماية الموائل الطبيعية ومراقبة الأنواع البرية، مؤكدة أن مواجهة تراجع التنوع الأحيائي تتطلب حماية المناطق الطبيعية، والحد من التلوث وتعزيز التشجير وترشيد استهلاك المياه، إلى جانب رفع الوعي البيئي لدى المجتمع.
وأكدت أن التعامل مع التغير المناخي وحماية التنوع الأحيائي يجب أن يسيرا معا لأن الحفاظ على الغطاء النباتي والمياه والموائل الطبيعية يزيد قدرة البيئة على مواجهة التغيرات المناخية، داعية إلى دعم المبادرات المحلية والبحث العلمي لرصد التغيرات التي تطرأ على الأنواع والبيئات في نينوى.