تضع العقوبات الأمريكية المشددة على إيران، العراق أمام اختبار اقتصادي وسياسي معقد، في ظل تشابك المصالح بين البلدين واعتماد بغداد على طهران في مجالات حيوية، ولا سيما الطاقة والتجارة.
وفي المقابل، تواجه بغداد ضغوطاً أمريكية متزايدة للحد من التعاملات مع طهران، ما يفتح نقاشاً أوسع بشأن قدرة الدولة العراقية على اتخاذ قراراتها الاقتصادية بصورة مستقلة، بعيداً عن الاستقطاب الدولي والإقليمي.
ولا تقتصر القضية على الموقف من العقوبات بوصفها أداة في الصراع بين واشنطن وطهران، إذ إن آثارها المحتملة قد تمتد إلى المواطنين والأسواق والطاقة وحركة التجارة في دول المنطقة.
العقوبات "جريمة وليست عقوبة"
ويرى استاذ العلوم السياسية والكاتب عامر حسن فياض أن العقوبات الأميركية على إيران ينبغي النظر إليها بوصفها (جريمة وليست عقوبة)، معتبراً أن آثارها لا تستهدف النظام السياسي وحده، وإنما تمتد إلى الشعب.
ويستند فياض في موقفه إلى تجربة العراق مع العقوبات والحصار، مشيراً إلى أن الشعب العراقي سبق أن عانى تداعيات العقوبات الأميركية، وأن الإجراءات الاقتصادية من هذا النوع غالباً ما تنعكس على الشعوب أكثر من الأنظمة السياسية. ولذلك، يرى أن الموقف السليم منها هو معارضتها.
وفي ما يتعلق بالعراق، يقول فياض إن العقوبات المفروضة على إيران ستكون لها انعكاسات مباشرة على بلادنا، في ظل طبيعة العلاقات القائمة بين بغداد وطهران، لافتاً إلى أن الحضور الأمريكي الفاعل في العراق قد يدفع باتجاه فرض شروط غير مباشرة على بغداد لتقليص تعاملاتها مع إيران أو قطعها.
ويؤكد أن العراق لا يستطيع تجاهل حقائق الجغرافيا والتاريخ التي تربطه بإيران، وأن أي حصار على طهران ستكون له تداعيات على الجانب العراقي، اقتصادياً، أو عبر محاولات دفع بغداد إلى المشاركة في تشديد الحصار.
وفي هذا السياق، يدعو فياض العراق إلى العمل للحصول على استثناءات أمريكية في القطاعات التي يحتاج فيها إلى التعامل مع إيران، ولا سيما الغاز.
ويرى أن معالجة حاجة العراق إلى الغاز لا ينبغي أن تكون من خلال استبدال الغاز الإيراني بالغاز القطري أو غيره، وإنما عبر دعم إنتاج الغاز العراقي، منتقداً عدم تحقيق تقدم كافٍ في هذا المجال منذ عام 2003، رغم استمرار الوجود الأميركي في العراق.
ويؤكد فياض أن العراق لا يستطيع قطع علاقاته مع إيران أو الخضوع بصورة كاملة للقرار الأميركي المتعلق بالحصار، مشدداً على أن العقوبات، إذا كانت قائمة، ينبغي أن تبقى ضمن إطارها الأمريكي، وألا تتحول إلى حصار تشارك فيه الدول المحيطة بإيران، ومنها العراق وتركيا وباكستان وغيرها.
ويتساءل عن مبررات مطالبة الولايات المتحدة الدول الأخرى بقطع علاقاتها مع إيران، في وقت تجري فيه واشنطن مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع طهران، داعياً إلى وجود «عقل عراقي» قادر على إدارة مصالح البلاد بعيداً عن الضغوط الخارجية.
ويشدد فياض على ضرورة أن يكون القرار السياسي العراقي «مطعماً بالاستقلالية»، وأن يضع المصلحة العراقية أولاً، موضحاً أن من حق العراق السعي للحصول على استثناءات تتيح له مواصلة التعامل مع إيران في القطاعات التي تمثل مصلحة مباشرة له.
العراق قد يكون من أكبر المتضررين
من جانبه، يحذر الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي من أن "دول الطوق المحيطة بإيران ستكون تحت ضغط أمريكي مباشر للالتزام بالعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران".
ويضع الهاشمي العراق في مقدمة الدول التي قد تتضرر في حال تنفيذ الحصار بقوة، بسبب ما يصفه بالاعتماد الكبير على إيران في التجارة والطاقة.
ويرى الهاشمي أن واشنطن ستستخدم كامل ثقلها ومواردها لإنجاح سياسة الحصار، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن المهمة ليست سهلة ولا مضمونة النتائج، مستشهداً بامتلاك إيران خبرة طويلة في التعامل مع العقوبات وإيجاد منافذ اقتصادية بديلة.
ويشير إلى قدرة إيران على استخدام اقتصاد موازٍ يعتمد على التهريب عبر الحدود، فضلاً عن إمكانية استخدام موقعها الجغرافي ومضيق هرمز للضغط على الاقتصاد العالمي.
ويضع الهاشمي ملف الطاقة في مقدمة المخاطر التي يمكن أن تواجه العراق، محذراً من أن تشديد الحصار قد يؤدي إلى وقف أنواع من الواردات الإيرانية، ما يحرم العراق من مصدر مهم للطاقة، تحتاج إليه محطات إنتاج الكهرباء.
أما في ما يتعلق بالصين، فيرى الهاشمي أنها لن تتقبل بسهولة فرض حصار مشدد على إيران، وقد تناور للحفاظ على علاقاتها التجارية معها، ولا سيما في مجال النفط، لكنه لا يستبعد أن تستجيب للضغوط في حال وصل الحصار الأمريكي إلى مستويات عالية من التشدد.
ويخلص إلى أن المنطقة قد تدخل اختباراً اقتصادياً جديداً بعد المواجهات العسكرية المباشرة، وأن تنفيذ الحصار بالشكل الذي تريده الإدارة الأميركية قد يؤدي إلى واقع اقتصادي جديد ينعكس على التجارة وأسعار النفط والعلاقات الاقتصادية بين دول المنطقة.
ملف الغاز
من جانبه، حذّر الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني من تداعيات تشديد العقوبات الأمريكية على إيران، مؤكداً أن طبيعة العقوبات لا تقتصر على استهداف الجانب الإيراني، وإنما تطال أي دولة أو شركة أو مؤسسة أو مصرف يتعامل مع طهران.
وقال المشهداني إن العقوبات الأمريكية تعتمد على ما وصفه بـ"العقوبات المرنة الصعبة"، موضحاً أن واشنطن لا تفرض العقوبات على إيران وحدها، إذ تهدد أيضاً بفرض العقوبات على الجهات التي تستمر في التعامل معها، وهو ما يضع العراق أمام تحديات كبيرة نظراً لحجم العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين.
وأشار إلى أن ملف الغاز يمثل أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة للعراق، مبيناً أن إيران تجهز العراق حالياً بنحو 20 مليون قدم مكعب من الغاز، من أصل حاجة تصل إلى نحو 50 مليوناً، فيما يسهم الغاز الإيراني في تشغيل منظومة توليد الكهرباء بطاقة تقارب 6 آلاف ميغاواط.
وتساءل المشهداني عن إمكانية حصول العراق على استثناءات أميركية تسمح له بمواصلة استيراد الغاز الإيراني، كما حدث في فترات سابقة عندما منحت واشنطن بغداد استثناءات لفترات تراوحت بين 30 و60 و90 وحتى 180 يوماً، محذراً من أن عدم تجديدها سيضع العراق أمام أزمة كبيرة تتجاوز ملف الطاقة.
وأضاف أن التداعيات لن تقتصر على الغاز، بل ستطال حركة التجارة والسلع الأساسية، موضحاً أن جزءاً مهماً من المواد الغذائية الموجودة في السوق العراقية، ومنها الطماطم والخيار والباذنجان، يأتي من إيران، ما يجعل توقف الاستيراد أو تعقيده مؤثراً بصورة مباشرة على سلة الغذاء العراقية.
ولفت إلى أن إغلاق مضيق هرمز يزيد من صعوبة إيجاد بدائل سريعة للتجارة، إلى جانب مشكلة التحويلات المالية التي تجري خارج الأنظمة المصرفية الرسمية، والتي قد تضع العراق تحت طائلة الاتهام بتمويل أو تسهيل التعاملات مع إيران في حال تشديد العقوبات.
وبيّن أن العراق وإيران يرتبطان بحجم كبير من المصالح التجارية، مشيراً إلى أن العراق يستورد من إيران مواد أساسية، بينها البلاستيك وحبيبات البلاستيك والمنتجات الزراعية، وأن جزءاً كبيراً من قيمة الواردات العراقية من إيران يتركز في هذه السلع.
وأكد المشهداني أن العراق لا يمتلك في الوقت الحالي خيارات سريعة وفعالة لتحويل تجارته بعيداً عن إيران، موضحاً أن نقل الاستيرادات إلى دول مثل تركيا أو الأردن لا يعني ببساطة تغيير بلد المنشأ، وإنما يتطلب إعادة بناء شبكات وعلاقات تجارية استمرت لأكثر من عقدين.
وأوضح أن التاجر العراقي الذي اعتاد التعامل مع نظيره الإيراني منذ سنوات لا يستطيع الانتقال بين ليلة وضحاها إلى مورد جديد، لأن العملية تتطلب بناء الثقة والعلاقات التجارية وتأمين طرق النقل والتحويلات المالية، فضلاً عن أن السلع الإيرانية تتمتع في كثير من الحالات بميزة انخفاض الكلفة وقرب المسافة.
تحرك دبلوماسي عاجل
ودعا المشهداني إلى تحرك دبلوماسي عراقي عاجل للتفاوض مع الولايات المتحدة بشأن طبيعة التعاملات التي يحتاجها العراق، مقترحاً أن يسعى وزير الخارجية إلى الحصول على استثناءات تتيح لبغداد مواصلة التجارة مع إيران في المواد الإنسانية والأساسية، على غرار الدور الذي أدته دول مجاورة للعراق خلال فترة الحصار في تسعينيات القرن الماضي.
وقال إن تحويل العراق إلى رئة إنسانية لإيران يمكن أن يشمل السماح بالتبادل التجاري في المواد الغذائية والأدوية والاحتياجات الأساسية، محذراً من أن تشديد العقوبات بصورة شاملة سيضع العراق أمام ضغوط أكبر، باعتباره الطرف الأضعف في المعادلة.
وفي ما يتعلق بإمكانية تطوير بدائل محلية، أشار المشهداني إلى أن العقوبات يجب ان تكون فرصة لإعادة تنشيط قطاعات الزراعة والصناعة الوطنية، إلا أن ذلك يتطلب بحسبه، سياسات واستثمارات حقيقية، منتقداً استمرار اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط وعدم تطوير القطاعات الإنتاجية الأخرى.
وأضاف أن العراق، رغم امتلاكه مقومات زراعية وصناعية وسياحية كبيرة، لم ينجح خلال السنوات الماضية في بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تقليل اعتماده على الاستيراد، مشدداً على أن استمرار الاقتصاد بمنطق نبيع النفط ونستورد احتياجاتنا سيجعل العراق أكثر عرضة للصدمات الخارجية.