في كل مناسبة تُعنى بحقوق المرأة تتصدر المنصات الرسمية شعارات مثل "حماية المرأة من العنف" و"تمكين المرأة" و"تعزيز دورها في التنمية"، ويرافق ذلك تاكيدات حكومية بأن برنامجها يتبنى حماية النساء من الاعتداء والابتزاز، وتوفير بيئة آمنة لهن، وحتى الحكومة الحالية أعلنت المضي في إعادة تفعيل المجلس الأعلى للمرأة بوصفه المظلة القانونية والتنفيذية للنهوض بواقع المرأة العراقية.
لكن هذه الشعارات، بحسب ناشطات وحقوقيات، ما تزال تصطدم بواقع مختلف فالخطاب الرسمي لم ينعكس على حياة النساء، في ظل استمرار معدلات العنف، وتعثر إقرار تشريعات توفر حماية قانونية. كما توجد نصوص قانونية تكرس التمييز وتحد من فرص الإنصاف، الأمر الذي يثير تساؤلات حول الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الذي تعيشه المرأة العراقية.
"العنف النخبوي"
تقول آيات توفيق، ناشطة نسوية إن الجهات الحكومية والأحزاب السياسية، تحاول احتكار ملف العنف ضد المرأة عبر مؤتمرات وفعاليات، تكتفي بالشعارات والصور الدعائية، من دون أن تنعكس على واقع النساء أو تفضي إلى إجراءات حقيقية تضمن حقوقهن وتمكينهن.
وتضيف توفيق لـ"طريق الشعب"، أن هذه الفعاليات رغم رفعها شعارات مناهضة العنف، لكنها تعيد إنتاج العقلية الذكورية ذاتها، إذ تتصدرها شخصيات بعيدة عن تمكين المرأة، وتستفيد من منظومة سياسية يهيمن عليها الرجال، ما يجعل الحديث عن حقوق النساء محصورًا ضمن إطار شكلي، لا يتجاوز الخطابات الإعلامية.
وتؤكد لـ"طريق الشعب"، أن المشكلة لا تقتصر على غياب النتائج بل تمتد إلى احتكار تمثيل النساء داخل هذه المؤتمرات، مشيرة إلى أن قضايا المساواة والعنف والحقوق لا تزال تدار من قبل منظومة ذكورية تحدد من يتحدث باسم النساء، ومن يظهر في الواجهة، بينما تقصى الأصوات النسوية المستقلة.
وتشير الى وجود خلافات حتى في تعريف العنف ضد المرأة، لافتة إلى أن بعض الجهات لا تعترف بالعنف النفسي بوصفه أحد أشكال العنف، وهو ما يعكس، برأيها، خللًا في فهم القضية وآليات التعامل معها.
وتربط توفيق بين هذه المؤتمرات والرعاية السياسية التي تقف خلفها، معتبرة أن النساء يواجهن اليوم أشكالا متعددة من العنف، لا تقتصر على العنف الأسري أو المجتمعي بل تشمل أيضًا العنف القانوني والسياسي إلى جانب ما تصفه بـ"العنف النخبوي"، حيث تتصدر المشهد نساء لا يحملن، وفق رأيها، هموم النساء ولا يدافعن عن حقوقهن.
وتستشهد توفيق بقضايا زوجات الشهداء، موضحة أن معاناتهن الحقيقية تتمثل في الابتزاز الذي يتعرضن له أثناء مراجعة المؤسسات الحكومية للحصول على مستحقاتهن، سواء من خلال الابتزاز الوظيفي أو التعقيدات المرتبطة بالخدمات والإجراءات الإدارية، معتبرة أن هذه الممارسات تمثل أحد أشكال العنف التي لا تجد مساحة للنقاش داخل المؤتمرات الرسمية.
وترى أن هذه الفعاليات لا تعيد توزيع السلطة ولا تعيد تعريف الهيمنة الذكورية، بل تقدم الوجوه ذاتها عاما بعد اخر مع تغييرات طفيفة في الأشخاص، بينما تبقى الأدوات والخطابات على حالها.
وتشير إلى أن صناع القرار ينظرون إلى أوضاع النساء من خلال نماذج محدودة داخل القاعات الرسمية، بعيدًا عن الواقع الذي تعيشه غالبية النساء.
وتؤكد أن استمرار هيمنة هذه النخب على المشهد النسوي يمثل جوهر الأزمة لانه يحول دون وصول النساء المتضررات إلى مواقع التأثير وصنع القرار ويبقي قضاياهن خارج دائرة الاهتمام الحقيقي.
وفيما يتعلق بالإجراءات المطلوبة، تدعو توفيق إلى اتخاذ خطوات قانونية عاجلة لحماية النساء، مشيرة إلى أن الجدل المتكرر بشأن قانون الأحوال الشخصية وما يرافقه من احتجاجات وحملات إساءة وتشويه بحق النساء المشاركات فيها يعكس حجم التحديات التي تواجهها المرأة العراقية.
كما تدعو أيضا إلى إقرار قانون يجرم خطابات الكراهية ضد النساء، ويحاسب الجهات والأشخاص الذين يروجون هذه الخطابات أو يستخدمون التشهير والإساءة لتحقيق أجندات سياسية، معتبرة أن هذا الإجراء رغم أنه لن يعالج جميع المشكلات، لكنه قد يشكل خطوة أولى نحو إنصاف النساء واستعادة جزء من حقوقهن.
فعاليات صورية
وتتفق رؤى خلف، وهي ناشطة حقوقية، مع ما ذهبت إليه توفيق، وتؤكد أن "المؤتمرات والبيانات الرسمية المتعلقة بحقوق المرأة لا تتجاوز في معظمها كونها "فعاليات صورية" لا ترتبط بالقضايا الحقيقية التي تواجه النساء، مشيرةً إلى أنها لم تنعكس على واقع المرأة أو تسهم في الحد من حالات العنف والاستهداف.
وتقول خلف لـ"طريق الشعب"، أن ازدياد عدد المؤتمرات والفعاليات لم يقابله انخفاض في معدلات العنف ضد النساء، معتبرة أن هناك فجوة واضحة بين الخطابات السياسية التي تُطرح في المناسبات الرسمية وبين الواقع الذي تعيشه النساء في العراق.
وتضيف أن جهات رسمية رفيعة المستوى، بينها رئاسة الوزراء ومجلس النواب تدعو في مؤتمراتها إلى حماية النساء من العنف وتمكينهن، لكنها في الوقت نفسه، اتخذت مواقف ألغت مفهوم تمكين المرأة وشرعت قوانين أسهمت في تكريس العنف ضد النساء، وهو ما وصفته بـ"التناقض" و"النفاق" في الخطاب الرسمي.
وترى أن المشكلة لا تقتصر على وجود ثغرات قانونية بل تتمثل في وجود نصوص قانونية تُقنن العنف، مستشهدة بالمادة (41) التي تتيح بحسب تفسيرها، تأديب الزوجة ومن هم تحت ولاية رب الأسرة، معتبرة أن هذا النص يمنح مبررات قانونية لممارسة العنف.
وتؤكد أن العراق بحاجة إلى تشريعات حقيقية توفر الحماية للنساء إلى جانب إلغاء النصوص القانونية التي تبيح العنف، مشددة على أن سنّ قوانين جديدة لن يكون مجديا إذا بقيت هناك تشريعات أخرى تسمح بالممارسات ذاتها، أو إذا لم تطبق القوانين على أرض الواقع.
وتردف كلامها أن القوانين، حتى وإن اقرت، يجب أن تكون قابلة للتنفيذ وألا تبقى "حبرا على ورق"، لافتة إلى أن النساء لا يتمتعن حاليا بأي قانون يوفر لهن حماية فعلية، بل إن بعض النصوص القانونية القائمة تسهم في تقنين العنف ضدهن.
وفيما يتعلق بدور منظمات المجتمع المدني والناشطين، توضح خلف أن دورهم يقتصر على تسليط الضوء على الظاهرة والدفاع عن حقوق النساء، إلا أنهم لا يستطيعون وحدهم معالجة المشكلة، لأن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الدولة والحكومة.
وتشدد على أن مواجهة العنف ضد النساء تتطلب إرادة سياسية حقيقية ووضع آليات حماية فعالة يمكن للنساء الاعتماد عليها، مؤكدة أن المنظمات المدنية تمثل جزءًا محدودًا من المجتمع ولا يمكنها، بمفردها، معالجة ظاهرة متجذرة بهذا الحجم دون دعم مؤسسات الدولة والتزامها بحماية النساء.
تحد اجتماعي وحقوقي
من جانبها، تذكر الناشطة سرى سالم ان العنف ضد النساء ما يزال يشكل تحديا اجتماعيا وحقوقيا في العراق، في ظل صعوبة التوصل إلى حلول فعالة تحد من انتشاره أو تقلل من معدلاته، مشيرة إلى أن "ضعف المنظومة القانونية أمام سطوة الأعراف والعادات العشائرية أسهم في تفاقم الظاهرة واستمرارها".
وتقول سالم لـ"طريق الشعب"، ان العديد من حالات العنف لا يتم الابلاغ عنها بسبب وصمة العار الاجتماعية، إذ تخشى كثير من النساء الإفصاح عما يتعرضن له من إساءة، خشية التعرض للنبذ أو اللوم، وهو ما يجعل الاف الحالات تبقى بعيدة عن أعين القانون والمؤسسات المختصة.
وتضيف أن بعض المجتمعات ما تزال تتبنى نظرة ذكورية تجاه المرأة مما يؤدي إلى ترسيخ الاعتقاد بأن ممارسة العنف ولا سيما الضرب يعد من "حقوق الرجل"، وهو مفهوم ترفضه مبادئ حقوق الإنسان والقوانين الحديثة، إلا أنه لا يزال يجد قبولاً لدى بعض النساء نتيجة التنشئة الاجتماعية.
وتتابع أن "المرأة حتى عندما ترفض ما تتعرض له من عنف غالبا ما تجد نفسها عاجزة عن الإبلاغ او طلب المساعدة، بسبب اعتبار العنف المنزلي في بعض البيئات شأنا عائليا لا ينبغي الحديث عنه خارج إطار الأسرة، وهو ما يرسخ ثقافة الصمت ويمنح مرتكبي العنف مساحة أكبر للإفلات من المساءلة".
وتشير إلى أن باحثين اجتماعيين وضباط شرطة يؤكدون ان غالبية النساء اللواتي يتعرضن للتعذيب او الاعتداء يتجنبن اللجوء إلى الجهات القانونية، لأن دخول المرأة إلى مركز الشرطة لا يزال ينظر إليه في بعض المجتمعات بوصفه وصمة أو نقيصة أخلاقية، الأمر الذي قد يعرضها لعقوبات اجتماعية مضاعفة بدلاً من حصولها على الحماية.
وبحسب تقديرات بحثية، فإن أكثر من مليوني امرأة في العراق يتعرضن لأشكال مختلفة من العنف، فيما تلتزم نسبة كبيرة منهن الصمت، سواء بسبب الخوف أو الضغوط الأسرية والاجتماعية أو انعدام الثقة بفاعلية الإجراءات القانونية.
وترى سالم أن العادات والتقاليد التي تتقدم في بعض الأحيان على سلطة القانون تسهم في تبرير العنف ضد النساء وإضفاء الشرعية عليه، عبر اعتباره وسيلة "للتأديب" متى ما توفرت المبررات. كما أن غياب المساءلة الاجتماعية والقانونية يشجع بعض مرتكبي العنف على الاستمرار في ممارساتهم، في ظل قناعة متوارثة لدى بعض أفراد المجتمع بأن للرجل سلطة مطلقة داخل الأسرة.
وعن أبرز التحديات التي تواجه النساء، تشير سالم إلى غياب الاستقلال الاقتصادي، مؤكدة أن انعدام الدخل أو الغطاء المالي يحرم الكثير من النساء من القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة أو مغادرة بيئات العنف، ويجعلهن أكثر عرضة للاستغلال والاستمرار في علاقات مؤذية حفاظاً على لقمة العيش.
وتختتم سالم بالتأكيد على أن الحد من العنف ضد النساء يتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات تشمل تعزيز تطبيق القانون وتوفير الحماية الفعلية للضحايا، ونشر الوعي المجتمعي، وتمكين النساء اقتصاديا، بما يضمن لهن حياة امنه تحفظ كرامتهن وحقوقهن.