اخر الاخبار

يدخل العراق مرحلة أمنية وسياسية دقيقة، تتقاطع فيها خروقات السيادة مع ملف حصر السلاح بيد الدولة، واستمرار الثغرات على الحدود والمنافذ، في وقت تتصاعد فيه التحديات الإقليمية والضغوط الاقتصادية. وبينما تتكرر الهجمات التي تستهدف مناطق في إقليم كردستان، وتتواصل محاولات التسلل والتهريب عبر المنافذ، تقترب المهلة الحكومية لحسم ملف السلاح من نهايتها، وسط خلافات سياسية ومواقف متباينة من الفصائل المسلحة.

ويضع تزامن هذه الملفات الحكومة أمام اختبار يتجاوز الجانب الأمني، ليطال قدرتها على توحيد القرار العسكري، حماية الحدود، منع استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية، وإعادة تأكيد احتكار الدولة للسلاح والقرار السيادي.

خروقات عديدة

فالقصف الذي يستهدف مناطق في إقليم كردستان، أياً كانت الجهة التي تقف خلفه، يفتح مجدداً ملف السيادة العراقية، فيما تثير الاعتداءات المتكررة تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على منع استخدام الأراضي العراقية ساحة لتصفية الحسابات أو تنفيذ هجمات تخدم أجندات خارجية.

وبالتوازي، يقترب العراق من موعد حاسم في ملف حصر السلاح بيد الدولة، وسط تباين سياسي بشأن آليات التنفيذ، ومواقف متباينة من الفصائل المسلحة، الأمر الذي يضع الحكومة أمام اختبار صعب بين فرض القانون والحفاظ على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهة داخلية.

أما على الحدود والمنافذ، فتتكرر محاولات التسلل والتهريب، كان آخرها ضبط شبكات وأشخاص حاولوا الدخول بصورة غير شرعية عبر ميناء أم قصر، في مشهد يكشف عن ثغرات تستغلها شبكات الاتجار بالبشر والتهريب.

وفي هذا الصدد، عقدت اللجنة العليا المعنية بتنفيذ بنود الاتفاق الأمني المشترك بين جمهورية العراق والجمهورية الإسلامية الإيرانية امس السبت، اجتماعها في أربيل. وناقشت تفاصيل وبنود الاتفاق الأمني المشترك بين العراق وإيران، فيما يتعلق بتأمين الحدود ومنع التسلل والتهريب، والحفاظ على الأمن والاستقرار في عموم العراق.

ملفات لا تحتمل التأجيل

وبين حماية السيادة، وضبط السلاح، وتأمين الحدود، ومواجهة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، تبدو المنظومة الأمنية العراقية أمام ملفات متزامنة لا تحتمل التأجيل، فيما يبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من إدارة الأزمات الأمنية إلى فرض منظومة أمنية موحدة يكون فيها القرار والسلاح والحدود تحت سلطة الدولة وحدها.

يقول اللواء الركن المتقاعد عماد علو في تعليق لـ"طريق الشعب"، إنّ هذه المافيات تستغل المناطق التي تعاني من هشاشة أمنية أو يمكن اختراقها، لتهريب الأشخاص وإدخالهم إلى العراق بصورة غير قانونية، مبيناً أن ظاهرة الاتجار بالبشر لا تقتصر على العراق، وإنما تنتشر في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي وشمال أفريقيا، فضلاً عن دول تشكل مناطق عبور نحو أوروبا، معتقدا أن طبيعة الاقتصاد وحاجة بعض الأسواق إلى الأيدي العاملة الرخيصة تسهم في تنامي هذه الظاهرة.

ويضيف علو، بشأن عمليات التسلل والتهريب التي شهدها ميناء أم قصر خلال الأيام الماضية، أن الحدود العراقية ما تزال تشهد عمليات اختراق، مع وجود نشاط واضح وواسع لمافيات الاتجار بالبشر وتهريب الأشخاص وإدخال الأيدي العاملة بصورة غير شرعية.

ويرى أن العامل الاقتصادي يمثل الجانب الأبرز في تفسير تصاعد نشاط مافيات الاتجار بالبشر، نتيجة التفاوت في مستويات المعيشة والفقر وانخفاض فرص العمل في بعض الدول، ما يدفع أشخاصاً إلى المخاطرة للوصول إلى مناطق تتوفر فيها فرص العمل.

ويؤكد أن العراق يمثل في الوقت ذاته منطقة عبور، فضلاً عن كونه سوقاً يحتاج إلى أيدٍ عاملة رخيصة في بعض القطاعات، بما في ذلك المنازل والمعامل والمحلات، وهو ما يشجع شبكات التهريب على استقدام أشخاص من بلدان تعاني من البطالة والفقر وانخفاض الموارد المالية، لافتا إلى أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب التعامل معها باعتبارها ملفاً أمنياً واقتصادياً واجتماعياً متشابكاً، وليس باعتبارها قضية عراقية محلية فقط.

وفي ما يتعلق بملف حصر السلاح بيد الدولة، أشار علو إلى وجود تقاطعات في الآراء والمواقف السياسية، مبيناً أن هناك جهات تؤيد حصر السلاح وأخرى ترفضه، فضلاً عن وجود طروحات تتعلق بدمج الفصائل، مبيناً أن أي قصف يستهدف الأراضي العراقية، سواء في إقليم كردستان أو أي محافظة أخرى، يمثل اعتداءً على السيادة العراقية بالكامل.

مطلوب برنامج ناضج وتدرج زمني

من جانبه، وصف الكاتب والمحلل السياسي د. عباس عبود الوضع الأمني في العراق بأنه مقلق وغير مستقر، عازياً ذلك إلى الظروف الأمنية والسياسية التي تمر بها المنطقة، مؤكداً أن مفهوم الأمن لم يعد مقتصراً على الجيوش والتسليح والقوات الأمنية، بل يرتبط بمجموعة واسعة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ويقول عبود في حديث لـ"طريق الشعب"، إن الخطوة الأولى لتحقيق الأمن تتمثل في تحديد المخاطر والتحديات والتهديدات وتصنيفها، ومعرفة طبيعة مصادرها، قبل الانتقال إلى استخدام الوسائل والأدوات المناسبة لمعالجتها، مضيفا أن الأمن لا يقوم على انتظار وقوع الخطر، ثم تحريك القوات الأمنية، حيث يجب ان يعتمد أساساً على الوقاية وتشخيص المخاطر والعمل على إجهاضها قبل وقوعها.

وفي ملف حصر السلاح بيد الدولة، يجد عبود أن المدة المتبقية حتى الموعد المحدد في نهاية أيلول قد تكون قصيرة وغير كافية لحل جميع الإشكالات المرتبطة بهذا الملف، رغم تأكيده أن مبدأ سيطرة الدولة على السلاح اضحى ضرورة مُلحة، سواء تعلق الأمر بسلاح الفصائل أو العشائر أو السلاح المنفلت والخارج عن الأطر الرسمية.

ويؤكد عبود أن ضبط قرار السلاح يمثل جزءاً أساسياً من تعزيز سيادة الدولة، مشدداً على ضرورة أن يكون قرار استخدام السلاح بيد الدولة حصراً، وأن يتم ذلك من خلال المؤسسات الرسمية ضمن برنامج واضح وجدول زمني واقعي.

وفي ما يتعلق بعمليات التسلل والتهريب عبر المنافذ، ومنها ميناء أم قصر، يعتقد عبود أن أخطر ما يهدد الدولة العراقية هو الفساد، معتبراً أن خطورته قد تفوق خطورة السلاح المنفلت، بسبب تأثيره في تماسك الدولة واستقرارها ومواردها وما تترتب عليه من تداعيات، موضحا أن الفساد يستنزف مؤسسات الدولة ويزيد من حدة الأزمة المالية التي يمر بها العراق.

ويرى أن ضبط الحدود والمنافذ، ومكافحة الفساد والتهريب، وتنظيم السلاح، يجب أن تسير بالتوازي لتحقيق دولة قوية تمتلك القرار، مؤكداً أن الوصول إلى هذه المرحلة لا يرتبط بالملف الأمني وحده، وإنما يتطلب أيضاً إصلاح العملية السياسية ومنظومة الانتخابات والأحزاب وإجراء إصلاحات تشريعية.

السيادة العراقية واحدة

من جانبه، يؤكد الخبير الأمني قيس الزبيدي أن السيادة العراقية لا تتجزأ، مشدداً على أن أي اعتداء يطال الأراضي العراقية، سواء في البصرة أو النجف أو الأنبار أو إقليم كردستان، يمثل اعتداءً على السيادة العراقية برمتها.

ويقول الزبيدي لـ"طريق الشعب"، إن العراق دولة اتحادية، وبالتالي فإن إقليم كردستان جزء من الدولة العراقية، مبيناً أن الحكومة الاتحادية مطالبة باتخاذ موقف صارم تجاه أي اعتداءات ومنع تكرارها، معتقدا أن الخلافات السياسية بين الأطراف العراقية أدت، إلى التعامل مع الاعتداءات بصورة مختلفة، من خلال السكوت أو التغافل عن استهداف مناطق دون أخرى، مؤكداً أن ما يلحق الأذى بأربيل يلحق الأذى بالعراق برمته.

ويضيف أن الحكومة العراقية مطالبة بضبط زمام الأمور والسيطرة على السلاح المنفلت، خصوصاً في ظل توجهها نحو حصر السلاح بيد الدولة وجعل القرار الأمني مركزياً، بما يمنع أي فصيل أو جهة من تنفيذ اعتداءات لصالح جهات خارجية أو العمل خارج سلطة القانون.

وفي ما يتعلق بملف حصر السلاح بيد الدولة والمهلة المحددة لذلك، يعتبر أن رئيس الوزراء علي الزيدي أمام تحدٍ كبير للوفاء بالتزامه بأن يكون الثلاثون من الشهر القادم موعداً لحصر السلاح بيد الدولة، مشيراً إلى أن المهمة ليست هينة او سهلة، في ظل استمرار مواقف بعض الفصائل الرافضة لهذا التوجه.

وبشأن كيفية تعامل الحكومة مع الفصائل الرافضة، يبين الزبيدي أن الحكومة ما تزال تمسك العصا من الوسط، وتحاول عبر التواصل والحوار المباشر إقناع تلك الفصائل بتسليم سلاحها، لافتاً إلى أن الحكومة لا تستطيع ولا يبدو انها تنوي الدخول في احتكاك أو تصادم معها.

ويدخل ملف حصر السلاح مرحلة حاسمة مع اقتراب موعد نهاية أيلول، وسط رفض بعض الفصائل تسليم سلاحها.

وتتحدث تقارير صحافية عن تحركات من الإطار التنسيقي باتجاه طهران بحثاً عن تسوية. فيما تشير تقارير أخرى الى تحرك متزامن من طرف قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني، نحو قيادات سياسية وقادة فصائل داخل العراق. وتزعم تلك التقارير ان قاآني شدد على الحفاظ على سلاح الفصائل، وتجنب الصدام مع القوات العراقية.

وفي المقابل، تُطرح خيارات لتسوية الملف، بينها تحييد الفصائل أو دمجها في المؤسسات الأمنية، فضلاً عن مقترح إلحاق بعض الفصائل بهيئة الحشد الشعبي وإخضاعها لسلطة القائد العام. ومع استمرار الضغوط الأمريكية، يبقى الملف مفتوحاً بين التسوية والتصعيد، بالتزامن مع بحث بغداد ضمانات إيرانية لمرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، في ظل الضغوط المالية وانعكاساتها على التزامات الدولة ورواتب الموظفين.

وفي السياق الاقتصادي، يحذر الزبيدي من أن الوضع المالي الصعب يزيد من حجم التحديات أمام الحكومة، مشيراً إلى أن العراق يمر بظروف اقتصادية صعبة، وقد يواجه صعوبات في تأمين رواتب الموظفين خلال الأشهر المقبلة.

وفي ما يتعلق بالوضع الأمني وعمليات التهريب والتسلل عبر المنافذ الحدودية والبحرية ايضاً، ولا سيما ميناء أم قصر، يرى الزبيدي أن الحكومة العراقية بحاجة إلى إجراء تغييرات لوجستية وجوهرية في المنظومة الأمنية وقيادتها، بهدف السيطرة على التخادم السياسي الخارجي، الذي من شأنه زعزعة الأمن والاستقرار وإرباك علاقات العراق الخارجية.

إعادة تشكيل مفهوم الدولة

ووصف الكاتب والصحافي سامان نوح الوضع الأمني في العراق بأنه “هش وضعيف”، مشيراً إلى وجود اختراقات أمنية في الجو وعلى الأرض، واستمرار الهجمات الإيرانية على إقليم كردستان، فضلاً عن التدخلات التركية المستمرة في الإقليم.

وقال نوح في تعليق لـ"طريق الشعب"، إن استمرار هذه التدخلات، إلى جانب نفوذ الفصائل المسلحة، يعني بقاء الوضع الأمني هشاً، محذراً من إمكانية وصوله إلى مرحلة أكثر خطورة في حال اتساع أي مواجهة إقليمية أو اندلاع صراع مباشر بين الأجهزة الأمنية الحكومية والفصائل المرتبطة بإيران.

وأضاف أن إعادة تشكيل مفهوم الدولة والسلطة الاتحادية والمعادلة الأمنية بصورة كاملة أضحت ضرورة ملحة، لافتاً إلى أن بعض المبررات التي كانت تُستخدم لاستهداف إقليم كردستان، ومنها استضافة القوات والقواعد الأميركية، يفترض أنها تراجعت بعد الإعلان عن الانسحاب الأميركي.

وشدد نوح على أن السيادة العراقية لا يمكن تجزئتها بين إقليم كردستان وبقية المحافظات، مؤكداً أن أي هجوم ينطلق من الأراضي العراقية أو يستهدف منشآت وأهدافاً داخل العراق يمثل انتهاكاً للسيادة العراقية، سواء وقع في الشمال أو الوسط أو الجنوب.

وفي ما يخص ملف حصر السلاح بيد الدولة، قال نوح إن الخيارات أمام الحكومة محدودة في ظل رفض بعض الأطراف الحوار أو الاستجابة لتسليم السلاح، مشيراً إلى أن استمرار هذا الوضع خلال الفترة المقبلة قد يدفعها إلى اتخاذ إجراءات أكثر حدة لفرض هيبة الدولة. وحذر من أن فرض حصر السلاح بالقوة قد يؤدي إلى مواجهات لا يرغب بها أحد، لكنه رأى أن إنهاء هذا الملف أصبح أمراً لا مفر منه، سواء تم ذلك الآن أو بعد أشهر أو عام.

وفي ما يتعلق بأمن الحدود والمنافذ، أكد نوح أن ضبط المعابر الحدودية يمثل ملفاً أساسياً بالنسبة إلى الاقتصاد والأمن العراقيين، سواء فيما يتعلق بالتجارة غير الشرعية أو بالجانب الأمني، مبيناً أن عمليات التهريب والتجارة غير الشرعية تسببت، بحسب تقديره، بخسائر مالية كبيرة للعراق خلال العقدين الماضيين، كان يفترض أن تذهب عائداتها إلى الدولة عبر المعابر الرسمية، إضافة إلى استغلال بعض المنافذ في عمليات تهريب الأشخاص وتنفيذ تحركات غير شرعية.

وختم بالقول إن ضبط المعابر يمثل شرطاً أساسياً لتعافي العراق اقتصادياً وأمنياً، وإن استمرار الثغرات في هذا الملف سيبقي مشكلات التهريب والتدخلات الخارجية قائمة ويؤثر في استقرار الدولة وسيادتها.