لم يكن تعثر ورفض عدد من طلبات حكومة الزيدي لدى أطراف إقليمية ودولية حدثاً استثنائياً، إذ يراه مختصون امتداداً لمشهد تكرر على مدى سنوات مع الحكومات المتعاقبة، في ظل محدودية قدرة بغداد على التأثير في أي مشهد أو فرض أولوياتها والدفاع عن مصالحها في الملفات الاستراتيجية.
ويشير مراقبون إلى أن تراجع النفوذ السياسي والاقتصادي للعراق، إلى جانب هشاشة استقلالية القرار الوطني، أسهما في إضعاف مكانة البلاد إقليمياً ودولياً، وجعلا العديد من القضايا الحيوية عرضة لتوازنات ومواقف خارجية، وهو ما يفتح الباب مجدداً أمام التساؤلات بشأن قدرة الدولة على استعادة ثقلها وتأثيرها في محيطها.
وتكشف التطورات الأخيرة في ملفي الطاقة وتصدير النفط أن المشكلة لا تتعلق بالسياسة الخارجية وحدها، بل تمتد إلى طبيعة الاقتصاد العراقي وشبكات اعتماده على الخارج. فمحاولة تأمين الغاز التركمانستاني لتشغيل محطات الكهرباء تواجه تعقيدات مرتبطة بمسار نقله عبر الأراضي الإيرانية، في وقت تحتاج فيه بغداد إلى بدائل عاجلة للغاز الإيراني. وبحسب تقارير حديثة، أبدت واشنطن تحفظاً على تمرير الغاز التركمانستاني عبر إيران، وربطت تنفيذ الاتفاق بتسوية سياسية مع طهران.
وهذه التطورات تعيد إلى الواجهة سؤالاً أوسع: إلى أي مدى يستطيع العراق امتلاك قراره عندما تكون مصادر الطاقة ومسارات التصدير مرتبطة بعوامل سياسية وأمنية خارج حدوده؟
احترام الدولة يقوم على مرتكزات أساسية
في هذا الصدد، يرى المحلل السياسي داود سلمان إن قوة الدول تُقاس بمجموعة من المرتكزات الأساسية، في مقدمتها مكانتها داخل المنظمات الدولية، وقدرتها على التأثير في صناعة القرار الإقليمي والدولي، فضلًا عن امتلاك اقتصاد قوي يمنحها نفوذًا سياسيًا ويعزز من حضورها في محيطها.
ويقول سلمان في حديثه لـ "طريق الشعب"، أن العامل الثالث يتمثل في قدرة الدولة على إدارة شؤونها الداخلية باستقلالية، واتخاذ قراراتها بعيداً عن التأثيرات الخارجية، بما يضمن حماية مصالحها الوطنية وتعزيز ثقة المجتمع الدولي بها.
ويضيف سلمان، أن العراق يفتقر إلى هذه المقومات مجتمعة، الأمر الذي انعكس على مستوى حضوره الإقليمي والدولي، وجعل قراراته أكثر عرضة للتأثر بالتدخلات الخارجية، لافتاً إلى أن دولاً في الإقليم، بينها إيران وتركيا وعدد من دول الخليج، تمارس بين الحين والآخر ضغوطاً تؤثر في المشهد العراقي.
ويعتقد أن ضعف الأداء الحكومي يعود إلى وصول قيادات تفتقر، بحسب وصفه، إلى الكفاءة وإلى تغليبها الولاءات الخارجية على حساب الهوية والمصلحة الوطنية، الأمر الذي أضعف ثقة الدول الأخرى بالحكومة العراقية وقلل من قدرتها على الدفاع عن مصالح البلاد في الملفات الإقليمية والدولية.
ويربط سلمان بين تفشي الفساد، وضعف الإدارة، وغياب التخطيط السياسي السليم، وبين تراجع فاعلية مؤسسات الدولة، موضحا أن الحكومات المتعاقبة لم تنجح في بناء مشروع وطني قادر على استعادة مكانة العراق وتعزيز حضوره في محيطه الإقليمي.
ويختتم بالقول إن استعادة احترام العراق على الساحة الدولية تتطلب بناء مؤسسات دولة قوية، وإنتاج قيادة تمتلك قرارًا وطنيًا مستقلًا، وتضع مصلحة العراق فوق أي اعتبارات أخرى، بما يمكنها من حماية حقوق البلاد وتعزيز قدرتها على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية من موقع الندية لا التبعية.
الطاقة تكشف هشاشة الأمن الاقتصادي
اقتصاديا، يقول الخبير في الشأن الاقتصادي زياد الهاشمي إن التطورات الأخيرة المتعلقة بملفي الطاقة وتصدير النفط كشفت عن ضعف وهشاشة الأمن الاقتصادي العراقي، في ظل استمرار اعتماد البلاد على مسارات خارجية تخضع لحسابات الصراع الإقليمي والدولي.
ويضيف الهاشمي في حديث مع "طريق الشعب"، أن الحكومة واجهت رفضاً أمريكياً لطلبها استيراد الغاز التركمانستاني عبر الأراضي الإيرانية، أعقبه رفض إيراني لمنح ناقلات النفط العراقية سماحات للعبور الآمن عبر مضيق هرمز، مبيناً أن المشكلة لا تكمن في مواقف هذه الأطراف بقدر ما تكمن في استمرار العراق بدفع ثمن غياب استقلالية قراره واعتماده على مسارات يملك الآخرون قرار تعطيلها أو السماح بها.
ويشير الهاشمي إلى أن ربط منظومة الكهرباء بالغاز المستورد من دولة تخضع لعقوبات دولية، بالتزامن مع اعتماد صادرات النفط على ممرات بحرية تتأثر بالتوازنات الإقليمية، يجعل أي خلاف سياسي أو تصعيد عسكري يتحول سريعاً إلى أزمة اقتصادية داخلية تنعكس على مختلف القطاعات.
ويجد أن هذه التطورات تمثل مؤشراً واضحاً على هشاشة الأمن الاقتصادي للعراق وضعفه، مشدداً على أن تنويع مصادر الطاقة وإنشاء منافذ بديلة لتصدير النفط لم يعدا خيارين تنمويين، وتحولا لضرورة استراتيجية لحماية الاقتصاد الوطني وتعزيز قدرته على مواجهة المتغيرات الخارجية وتقليل تأثير الضغوط السياسية والإقليمية.
ويعتقد أن بناء دولة قوية اقتصادياً يتطلب امتلاك خيارات مستقلة ومتعددة في مجالي الطاقة والتصدير، بما يضمن عدم بقاء الاقتصاد العراقي وموارده المالية رهينة لقرارات تصدر من عواصم أخرى، مهما كانت طبيعة العلاقات معها.
مثال على تعقيدات الاعتماد الخارجي
وتبرز أزمة الغاز التركمانستاني بوصفها مثالاً مباشراً على هذه الإشكالية؛ إذ أعلنت وزارة الكهرباء أن الاتفاق مع تركمانستان يتضمن تجهيز العراق بنحو 20 مليون متر مكعب من الغاز يومياً خلال موسم الصيف و10 ملايين متر مكعب خلال الشتاء، على أن يجري نقله عبر أنابيب تمر بالأراضي الإيرانية. وقالت الوزارة إن الجوانب الفنية واللوجستية للاتفاق أنجزت، فيما بقيت الإجراءات المالية ومسار التنفيذ موضع متابعة.
لكن تقارير حديثة أفادت بأن الولايات المتحدة أبدت تحفظاً على تمرير الإمدادات عبر إيران، الأمر الذي أعاد الملف إلى دائرة التعقيدات السياسية، في وقت يواجه فيه العراق حاجة متزايدة إلى تأمين وقود محطات إنتاج الكهرباء.
وبذلك، لا تتوقف المشكلة عند تأمين مصدر جديد للغاز، وإنما تمتد إلى السؤال الأهم: هل يمتلك العراق مسارات متعددة ومستقلة تتيح له الحصول على الطاقة بعيداً عن تأثير الأزمات بين الدول الأخرى؟
النفط.. البحث عن منافذ بديلة
الأمر ذاته ينسحب على صادرات النفط، التي جعل اعتمادها الكبير على المسارات البحرية العراق عرضة لتداعيات أي اضطراب في المنطقة.
وتتجه النقاشات إلى تطوير مسارات أخرى، بينها تعزيز قدرة خط كركوك–جيهان وربطه بمنظومة التصدير العراقية، بما يتيح تقليل الاعتماد على منفذ واحد. وتكتسب هذه الخيارات أهمية أكبر في ظل تعرض الملاحة عبر مضيق هرمز خلال عام 2026 لاضطرابات انعكست على حركة صادرات الطاقة في المنطقة.
وهنا تتحول قضية تنويع منافذ التصدير من مشروع اقتصادي طويل الأمد إلى جزء من مفهوم الأمن الاقتصادي والسيادي، لأن امتلاك أكثر من طريق لتصدير النفط يعني قدرة أكبر على حماية الإيرادات العامة عند حدوث أزمات إقليمية.
الاستقلال لا يعني العزلة
ولا يعني بناء قرار وطني مستقل، وفق قراءة المشهد، قطع العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية أو الانغلاق على الخارج، بقدر ما يعني امتلاك العراق خيارات متعددة تمنع تحول أي علاقة خارجية إلى نقطة ضعف.
فالدولة التي تستورد الطاقة من أكثر من مصدر، وتمتلك أكثر من طريق لتصدير مواردها، وتبني اقتصاداً لا يعتمد على النفط وحده، تكون أكثر قدرة على التفاوض وحماية مصالحها.
أما حين تتقاطع السياسة مع الاقتصاد والطاقة والتجارة في مسارات لا يملك العراق التحكم الكامل بها، فإن أي أزمة خارجية يمكن أن تتحول سريعاً إلى أزمة داخلية.
ومن هنا، فإن استعادة العراق لثقله الإقليمي لا تبدأ فقط من طاولة المفاوضات أو من تحسين العلاقات مع العواصم الأخرى، وإنما من الداخل: مؤسسات أكثر كفاءة، قرار سياسي مستقل، اقتصاد متنوع، مصادر طاقة متعددة، ومنافذ تصدير لا تجعل موارد البلاد رهينة لمسار واحد.