أعاد الحديث عن خفض رواتب الرئاسات والدرجات العليا والخاصة في الدولة فتح ملف منظومة الرواتب والمخصصات والنفقات الحكومية، في ظل اتساع الفجوة بين مستويات الدخول وكذلك تراكم أوجه الإنفاق التي تثقل الموازنة العامة.
ويعتقد مراقبون أن أي خطوة باتجاه تقليص رواتب الرئاسات والدرجات العليا والخاصة تمثل اتجاهاً صحيحاً، لكن لا يجب اختزال الإصلاح المالي بهذا الإجراء، مؤكدين أن المعالجة الحقيقية تتطلب مراجعة شاملة للرواتب والمخصصات والنفقات النثرية والسفر والإيفادات وغيرها من الامتيازات، وفق معايير مهنية واضحة تحقق العدالة وتحد من الهدر. ويضع اقتصاديون هذه القضية ضمن حاجة أوسع إلى مراجعة نمط عمل الدولة وإنفاقها، منبهين إلى أن المشكلة لا تكمن في حجم الرواتب وحده، بل في منظومة متكاملة من الإنفاق العام، تحتاج إلى التدقيق وإعادة التقييم، بما يخفف الفجوة بين أصحاب الدخول ويصون المال العام من المبالغة والإنفاق غير الضروري. وطبقا لإحصائيات غير رسمية، تشكل رواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث ومؤسساتها التابعة لها، ما يقارب 11.5% من إجمالي فاتورة رواتب موظفي الدولة. بينما تمثل حوالي 3% إلى 3.5% من الحجم الكلي للموازنة العامة للبلاد، بناءً على جداول الإنفاق والنفقات التشغيلية المعتمدة.
متطلبات اساسية
في هذا الشأن، قال سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، رائد فهمي، أن أي تحرك لتخفيض رواتب الرئاسات والدرجات العليا في الدولة يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه شدد على ضرورة أن يأتي ضمن رؤية متكاملة لإصلاح منظومة الرواتب والأجور والمخصصات والامتيازات والنفقات الحكومية.
واضاف فهمي لـ"طريق الشعب"، أن الحزب سبق أن طرح موضوع تخفيض الفجوة بين مستويات الرواتب، مشيراً إلى أن الفوارق القائمة بين المراتب الدنيا والعليا في العراق كبيرة جداً.
وتابع أن معالجة هذه الفجوة ينبغي ألا تقتصر على خفض الرواتب الاسمية، لأن المشكلة لا تكمن في الراتب وحده، وإنما في منظومة المخصصات التي تمنح إلى جانب الراتب، والتي قد تتجاوز قيمتها الراتب في بعض الحالات.
وأوضح أن أي مراجعة لسلم الرواتب يجب أن تكون جزءاً من إصلاح أوسع يأخذ في الاعتبار مبادئ الكفاءة والخبرة ومدة الخدمة والمسؤولية الوظيفية، مبيناً أن وضع سلم عادل للرواتب يتطلب تحقيق توازن بين هذه المعايير، وعدم الاقتصار على عامل واحد في تحديد الأجور. وأشار فهمي إلى أن مراجعة منظومة الرواتب ينبغي أن تشمل كذلك المخصصات الممنوحة للدرجات الخاصة والعليا، مع ضرورة تحليل مكونات الإنفاق المرتبط بهذه الدرجات، بما في ذلك الرواتب والمخصصات والنفقات الأخرى، فضلاً عن تكاليف السفر والإيفادات والإقامة وغيرها من النفقات التي تتحملها الدولة.
مطلوب معايير واضحة تحقق العدالة
وشدد فهمي على ضرورة مراجعة آليات إعداد الموازنة العامة، ولا سيما تقديرات تكاليف المشاريع والنفقات، محذراً من أن المبالغة في تقدير بعض البنود قد تفتح المجال أمام الفساد أو توظيف المال العام لأهداف غير معلنة.
وقال إن إصلاح منظومة الرواتب والنفقات يجب ألا يتحول إلى إجراء عقابي يستهدف فئة معينة، وإنما ينبغي أن يستند إلى دراسة مهنية وموضوعية ومعايير واضحة تحقق العدالة وتقلل الفجوة بين مستويات الدخول، إلى جانب تخفيف العبء الذي تمثله الرواتب والنفقات الحكومية على الموازنة العامة.
وربط فهمي معالجة هذه الملفات بـ"تحرك متكامل يشمل منظومة الأجور والرواتب والمخصصات والنفقات الحكومية"، وأنه آن الاوان لإعادة النظر في الكثير من أوجه الإنفاق التي يمكن تقليصها من دون التأثير في أداء مؤسسات الدولة، على أن تتم هذه المراجعة وفق أسس مهنية وموضوعية وبعيدة عن ردود الأفعال والمواقف السياسية الآنية.
توسيع النشاط الاقتصادي المنتج
من جهته، قال الخبير الاقتصادي صالح الهماشي أن إعادة النظر في رواتب الرئاسات والدرجات العليا يمكن أن تكون جزءاً من مسار أوسع للإصلاح المالي، وليس بوصفه حلاً منفرداً للأزمة المالية التي تواجهها الدولة.
وأضاف الهماشي لـ"طريق الشعب"، ان معالجة الاختلالات في المالية العامة لا يمكن أن تختزل بخفض الرواتب وحده، لأن المشكلة ترتبط بهيكل الإنفاق الحكومي وطريقة إدارة الموارد العامة.
وذكر الهماشي أن قيمة أي إجراء مالي لا تقاس فقط بحجم الأموال التي يوفرها، وإنما بمدى تأثيره في معالجة الخلل القائم داخل الموازنة، موضحاً أن الدولة بحاجة إلى الانتقال من سياسة تمويل الإنفاق كما هو قائم إلى مراجعة جدوى هذا الإنفاق وأولوياته، خصوصاً في ظل الضغوط التي تواجه المالية العامة.
وتابع أن تأخر صرف الرواتب، حتى عندما يكون ناتجاً عن اختناقات مؤقتة في السيولة، ينبغي أن يدفع الى مراجعة آليات إدارة التدفقات المالية للدولة، لأن انتظام دفع الأجور يمثل أحد المؤشرات الأساسية على سلامة الإدارة المالية وقدرتها على التخطيط للالتزامات المستحقة.
وبيّن أن الاعتماد المفرط على النفط يجعل المالية العراقية شديدة الحساسية من تقلبات السوق وأسعار الخام، ولذلك فإن معالجة المشكلة لا يمكن أن تستمر بالاعتماد على الإيراد النفطي وحده، بل تتطلب بناء موارد مالية أكثر استقراراً وتوسيع النشاط الاقتصادي المنتج.
وأشار الهماشي إلى أن إصلاح سلم الرواتب يمكن أن يعالج جانباً من الاختلالات الموجودة في هيكل الأجور، لكن نجاحه يتوقف على طريقة التنفيذ، إذ أن أي زيادة واسعة في الرواتب من دون مورد مستدام ستنعكس في النهاية على حجم الإنفاق والعجز، في حين أن إبقاء التفاوتات الكبيرة من دون معالجة يخلق اختلالاً آخر في توزيع الدخل.
وأكد الهماشي أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من المعالجات الآنية إلى إصلاح مالي مؤسسي، يقوم على مراجعة هيكل الموازنة، وترشيد الإنفاق، وضبط الامتيازات والمخصصات، وتحسين الإيرادات، بما يضمن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية، وفي مقدمتها رواتب الموظفين، من دون اللجوء إلى إجراءات مؤقتة أو تحميل فئة واحدة وحدها كلفة الاختلال المالي.
40 تريليون دينار "تحت رحمة المسؤول"
من جهته، أكد الخبير الاقتصادي د. احمد هذال أن معالجة ملف الرواتب لا ينبغي أن تقتصر على رواتب الموظفين والمتقاعدين وشبكة الحماية الاجتماعية، مشيراً إلى أن المشكلة الأساسية ترتبط بحجم الإنفاق العام والأموال التي تُنفق خارج إطار الاستثمار المنتج أو تمويل الرواتب.
وقال هذال إن "رواتب الموظفين والمتقاعدين وشبكة الحماية الاجتماعية تمثل الهم الأساسي للدولة العراقية، ويتمثل السؤال في كيفية توفير هذه الاستحقاقات"، موضحاً أن إجمالي هذه النفقات يبلغ نحو 7.5 تريليون دينار.
واضاف أن هناك مخصصات موضوعة ضمن الموازنة الجارية تقدر بنحو 40 تريليون دينار لا ترتبط باستثمارات منتجة، ولا بتمويل رواتب المواطنين، وانما "تخضع لمزاجية المسؤول".
وأشار إلى أن جزءاً من هذه الأموال يُنفق عبر "العقود المباشرة والتنفيذ المباشر، من دون المرور بشكل كامل بتعليمات وضوابط العقود الحكومية"، الأمر الذي يفتح، بحسب رأيه، الباب أمام المخالفات والهدر في المال العام.
وبيّن أن تقارير ديوان الرقابة المالية تشير إلى تسجيل نحو 7900 مخالفة، معتبراً أن الرقم يمثل مؤشراً خطيراً، لكون الديوان يعد من أعلى الجهات الرقابية في الدولة العراقية، وتطال رقابته مختلف دوائر ومؤسسات الدولة.
وأوضح أن قيمة المخالفات لا تقف عند حد المخالفة الإدارية، بل إن بعضها يرتبط بمبالغ مالية كبيرة، قد تصل إلى 4 أو 5 مليارات دينار للمخالفة الواحدة، لافتاً إلى أن "الثقل الأكبر من هذه المخالفات موجود في وزارة النفط".
وتابع أن حجم الاستنزاف والهدر الذي يمكن تقديره استناداً إلى المخالفات والتأشيرات الرقابية في وزارة النفط يصل إلى نحو 9 تريليونات دينار خلال سنة واحدة، بحسب ما أظهره تقرير الرقابة السنوي. ونبه الى أن المخالفات والهدر لا تقتصر على قطاع النفط، مشيراً إلى أن وزارة الكهرباء سجلت هي الأخرى مبالغ تقارب 6 تريليونات دينار، فضلاً عن قطاعات الأمن والدفاع والجهات الأمنية الأخرى.
واختتم هذال حديثه بأن جانباً من هذه المخالفات يتعلق بأساليب التعاقد وإدارة المال العام وعدم الالتزام بقانون العقود الحكومية، متسائلاً: "هل المشكلة في الرواتب، أم في الأربعين تريليون دينار التي تُوزع بهذه الطريقة؟".