حذر الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني من خطورة استمرار السياسات الاقتصادية الحالية في العراق، مؤكداً أن البلاد بحاجة إلى إصلاحات جذرية تتجاوز الحلول المؤقتة، في ظل تراجع الإيرادات النفطية وتصاعد الضغوط على الموازنة العامة والرواتب.
وقال المشهداني في حديث لـ«طريق 24»، إن العراق شخص مشكلته الاقتصادية منذ أكثر من 20 عاماً، إلا أن إجراءات المعالجة لم تكن بمستوى التحديات، مشبهاً الإصلاح المطلوب بـ«مشرط الجراح» الذي يتطلب اتخاذ قرارات صعبة وجذرية لمعالجة الاختلالات المتراكمة.
وأوضح أن ارتفاع أسعار النفط خلال السنوات الماضية أسهم في إخفاء جانب من المشكلات الهيكلية للاقتصاد العراقي، فيما أدى تراجع الأسعار إلى مستويات تراوحت بين 60 و65 دولاراً للبرميل إلى ضغوط مالية متزايدة، وصلت، بحسب تقديره، إلى لجوء الحكومة للاقتراض بهدف تأمين الرواتب.
الإصلاح الاقتصادي يصطدم بالحسابات الانتخابية
وأشار المشهداني إلى أن الإصلاح الاقتصادي في العراق يرتبط بدرجة كبيرة بالحسابات الانتخابية، مبيناً أن اتخاذ قرارات مثل خفض الرواتب أو إلغاء بعض الامتيازات والمخصصات يواجه صعوبات بسبب تأثيرها المحتمل على القواعد الانتخابية.
وانتقد التوسع في برامج الحماية الاجتماعية بدلاً من التركيز على توفير فرص العمل، موضحاً أن زيادة أعداد المشمولين بالرعاية الاجتماعية لا ينبغي أن تتحول إلى هدف بحد ذاته، لأنها قد تعكس ارتفاع مستويات الفقر والبطالة.
وأكد أن دعم كبار السن وذوي الإعاقة والأيتام والمطلقات والفئات غير القادرة على العمل يمثل ضرورة اجتماعية، لكنه دعا إلى التعامل مع الشباب القادرين على العمل بسياسة مختلفة، عبر توفير فرص عمل مؤقتة أو تمويل مشاريع تساعدهم على الاعتماد على أنفسهم والتحول من متلقين للدعم إلى منتجين.
4 تريليونات دينار لخلق فرص عمل
واقترح المشهداني إعادة توجيه جزء من مخصصات الحماية الاجتماعية نحو المشاريع الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، مشيراً إلى أن تخصيص نحو 4 تريليونات دينار لهذا الغرض يمكن، وفق تقديراته، أن يسهم في خلق ما بين 150 و200 ألف فرصة عمل.
وأضاف أن منح الشباب قروضاً تتراوح بين 15 و50 مليون دينار يمكن أن يساعدهم على تأسيس مشاريع صغيرة، مثل محال الحلاقة والخياطة والمشاريع المنزلية، بما يتيح لهم العمل ويوفر فرصاً إضافية لأشخاص آخرين.
وأكد أن الهدف من السياسة الاقتصادية والاجتماعية، بحسب رؤيته، ينبغي أن ينتقل من مجرد تقديم الدعم المالي للعاطلين إلى تحويلهم إلى أصحاب مشاريع ومنتجين قادرين على توليد الدخل وفرص العمل.
استقلالية البنك المركزي "نسبية"
وفي ما يتعلق بالبنك المركزي العراقي، رأى المشهداني أن استقلاليته "نسبية"، موضحاً أن قانون البنك المركزي يمنحه الاستقلالية، لكن آليات تعيين المحافظ وأعضاء مجلس الإدارة لا تزال مرتبطة بالسلطات الحكومية.
وقال إن استقلالية البنوك المركزية تتراجع نسبياً خلال الأزمات، عندما يصبح البنك مطالباً بالتدخل للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والنقدي.
وأشار إلى أن قانون البنك المركزي رقم 56 لسنة 2004 يحدد ضمن مهام البنك تحقيق الاستقرار الاقتصادي والمحافظة على استقرار سعر الصرف، معتبراً أن الأزمات الأمنية والاقتصادية تستدعي تدخلاً أكبر من البنك المركزي.
دعوة لتدخل البنك المركزي
ودعا المشهداني البنك المركزي إلى التدخل في الأزمة الحالية ودعم الحكومة، حتى لو تطلب الأمر استخدام أدوات استثنائية، محذراً من أن عدم دعم الحكومة في حال تعرضها لأزمة مالية حادة قد يؤدي إلى تداعيات أوسع تطال الجوانب الاقتصادية والأمنية والسياسية.
واستشهد بتدخل البنك المركزي خلال أزمات سابقة، ومنها عامي 2015 و2016، عندما قدم تمويلات ومبادرات لدعم قطاعات اقتصادية مختلفة، فضلاً عن استخدام آليات السوق الثانوية لتمويل الحكومة بصورة غير مباشرة.
كما أشار إلى تدخل بنوك مركزية في دول مختلفة خلال أزمة جائحة كورونا عبر برامج التيسير الكمي ودعم الاقتصادات المتضررة، معتبراً أن تدخل البنوك المركزية خلال الأزمات ليس حالة خاصة بالعراق.
تحذير من «شرارة» احتجاجات
وفي الجانب الاجتماعي، حذر المشهداني من أن استمرار تأخر صرف الرواتب وتراجع مستوى الخدمات، بالتزامن مع ضعف تجهيز الطاقة الكهربائية، قد يؤدي إلى تصاعد الاحتجاجات، مشيراً إلى خروج أساتذة وموظفين في جامعات عراقية احتجاجاً على تأخر الرواتب.
وقال إن استمرار هذه الظروف قد يشكل «شرارة» لاحتجاجات واسعة، محذراً من أن العراق ليس بحاجة إلى أزمة سياسية أو اجتماعية جديدة، وإنما إلى إجراءات عاجلة تضمن استقرار الأوضاع المالية والمعيشية وتجنب البلاد تداعيات اقتصادية واجتماعية أوسع.
وتضع تحذيرات المشهداني ملف الإصلاح الاقتصادي أمام معادلة صعبة بين الحاجة إلى قرارات مالية وهيكلية مؤلمة من جهة، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والمعيشي من جهة أخرى، في اقتصاد لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية لتمويل الإنفاق العام.
تأتي هذه التحذيرات في وقت لم تصرف فيه بعض وزارات ومؤسسات الدولة رواتب شهر تموز حتى الآن، وسط ضغوط مالية تواجهها الحكومة وتحديات مرتبطة بتأمين السيولة اللازمة لتغطية النفقات العامة.