اخر الاخبار

مضى أكثر من ثلاثة عقود على اجتياح النظام الدكتاتوري الصدامي لدولة الكويت، في حدث مأساوي غيّر مسار المنطقة، إذ لا تزال العلاقات العراقية - الكويتية تتحرك في مساحة معقدة تتقاطع فيها الذاكرة الجمعية مع الحسابات السياسية والتشريعية.

وفي محاولة جادة لكسر طوق الجمود وإحداث اختراق فكري ومدني في جدار الأزمات المتراكمة، أطلق الأكاديمي وعالم السياسة العراقي الدكتور سعد سلوم والمستشار الحقوقي الكويتي أنور الرشيد مبادرة مشتركة تحت عنوان «بيان حسن النوايا: نحو جغرافيا جديدة للطمأنينة بين العراق والكويت».

وجاءت المبادرة تتويجاً لمسار طويل من النقاشات بين النخب الثقافية والحقوقية أستمر لسنوات عديدة، ومهد لها بمقال تحليلي موسع نشره سلوم صبيحة ذكرى الغزو في 2 آب 2026 تحت عنوان «جغرافية الكراهيات: نحو تفكيك إرث القطيعة بين العراق والكويت.

نقد البنى النفسية للكراهيات

ويسرد المقال في جذور الأزمة، منطلقاً من تباين الذاكرة الفنية والدراما التلفزيونية في البلدين، وكيف تسهم أحياناً في إعادة إنتاج التوتر بدلاً من احتوائه، ولم يتوقف عند سرديات السياسة والدراما، بل يفتح نافذة على الإنساني المهمل تحت رماد الصراع.

واستعان سلوم بمقاربات مفكرين كبار لتفكيك مفاهيم مثل الانقسام النفسي ومتلازمة العالم المخيف، حيث يوضح في حديث خص به "طريق الشعب"، ان "الأزمة لم تكن يوماً مقتصرة على الخطوط المرسومة على الخرائط، ولا على التعقيدات التقنية والبحريّة (كملف الملاحة في خور عبد الله والمنطقة البحرية بعد العلامة 162)، بل في تلوث الهواء الاجتماعي بالتحريض الشعبوي والذاكرة الخائفة".

وأشاد سلوم بموقف رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي القاضي فائق زيدان، الداعي إلى احترام المعاهدات والاتفاقيات الدولية وفق السياقات الدستورية، باعتبار ذلك خطوة حكيمة لتثبيت الاستقرار القانوني وتبريد الاحتقان.

صدى المبادرة: طوق نجاة واستحقاق حضاري

ووصف المستشار الحقوقي الكويتي أنور الرشيد طبيعة المبادرة بأنها "وسام رفيع يمتزج فيه البعد الإنساني والأخلاقي بالعمق السياسي والحضاري"، معتبراً أن مجيئها متأخرة خيرٌ من ألا تأتي أبداً لكونها تمثل طوق نجاة لشعبين تجرعا مرارة العقود الماضية.

وأكد الرشيد في حديثه لـ"طريق الشعب"، أن "أمانة المسؤولية تحتم على أصحاب الكلمة والمؤثرين وعي خطورة بث سموم الكراهية"، مشدداً على أن نجاح المبادرة مرهون بتبني النخب الحية لها في بغداد والكويت لوقف نزف التحريض الذي تذكي ناره أطراف لا تبتغي الاستقرار الإقليمي.

"بيان حسن النوايا".. خريطة طريق ميدانية

وتضمن البيان المشترك خمسة مبادئ أساسية لإعادة هندسة العلاقة، شملت: نزع سلاح لغة الكراهية، كسر الانقسام النفسي، حماية الطمأنينة العامة عبر سن تشريعات مجرمة للتحريض، مكافحة تطبيع الكراهية إعلامياً، وجعل الإنسان أولوية فوق كل الأصنام السياسية.

ولتحويل هذه المبادئ إلى واقع، اقترحت المبادرة خطة عمل تحت اسم «الجسور المدنية» تتوزع على أربعة مسارات هي: المسار التربوي، المسار الإعلامي، المسار الحقوقي، المسار الثقافي، وتؤكد هذه المبادرة أن الرهان الحقيقي يكمن في شجاعة النخب لتجاوز أرشيف القطيعة، وتحويل الحدود المشتركة من خطوط مواجهة إلى فضاءات رحبة للتنمية والازدهار والعيش المشترك.

خطأ تاريخي ينبغي عدم تكراره

ويرى مدير مركز البيان للدراسات والتخطيط، الدكتور علي طاهر الحمود، أن تمسك الشعوب بهوياتها الوطنية أمر طبيعي، إذ تقوم الهوية في جانب منها على رسم حدود مع "الآخر"، سواء كان مختلفاً في الدين أو الطائفة أو القومية، مؤكداً أن اعتزاز أي شعب بهويته لا يمثل بحد ذاته مشكلة.

وأشار الحمود في حديث لـ"طريق الشعب" إلى أن "مسؤولية إحياء هذه الذاكرة لا تقع على الأفراد فقط، وتمتد للمؤسسات الرسمية والنخب الثقافية والأكاديمية، من خلال الحفاظ على الرموز الوطنية، والنصب التذكارية، والمناسبات التاريخية، لأنها تشكل أدوات لتوعية الأجيال المقبلة ومنع تكرار المآسي".

وأضاف أن "تجاهل الأخطاء التاريخية أو محاولة طمسها يؤدي إلى إعادة إنتاجها، مستشهداً بتجارب العراق وما شهده من مآسٍ ومجازر ومقابر جماعية والانفال وغيرها، مبيناً أن استذكار تلك الأحداث لو تم بصورة صحيحة لساهم في بناء وعي مجتمعي يحول دون تكرارها".

وفي ما يتعلق بحالة التوتر التي تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي خلال ذكرى اجتياح النظام الصدامي المقبور للكويت، أكد الحمود أن ذلك لا يمكن معالجته بقرارات تمنع الناس من التعبير، وانما من خلال عمل طويل الأمد تقوده النخب الفكرية والثقافية. ولفت إلى أن بناء الثقة بين الشعبين يحتاج إلى مبادرات عملية ومستدامة، مثل إقامة الفعاليات الرياضية والثقافية، والتعاون في معارض الكتب، وتبادل الطلبة، وتعزيز العلاقات بين مؤسسات القطاع الخاص، فضلاً عن استذكار الشخصيات والروابط الاجتماعية والعشائرية المشتركة، معتبراً أن مثل هذه المبادرات كفيلة، على المدى البعيد، بإعادة العلاقات الشعبية بين العراق والكويت إلى مستوياتها الطبيعية وتطويرها.

وأكد أن المسؤولية لا تقتصر على النخب، وهي ايضاً تشمل الحكومتين أيضاً، داعياً إلى أن تتضمن الزيارات الرسمية المتبادلة مبادرات ثقافية وإعلامية واجتماعية قابلة للتنفيذ، إلى جانب الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية.

واكد ان التواصل الحقيقي بين الشعوب، بحسب تعبيره، لا تصنعه الاتفاقيات الامنية والرسمية وحدها، وإنما العلاقات المباشرة بين الأكاديميين ومراكز الدراسات والقطاع الخاص وشيوخ العشائر ومؤسسات المجتمع.

مصالح مشتركة وشعور متبادل بالثقة

من جانبه، قال الناشط عبد الله البصري أن مستقبل العلاقات العراقية ـ الكويتية لم يعد مرهوناً بحل الملفات السياسية التقليدية، بقدر ما أصبح مرتبطاً بقدرة الطرفين على إدارة الذاكرة التاريخية بصورة عقلانية، منبها الى ان "أخطر ما يواجه أي علاقة بين دولتين متجاورتين ليس وجود خلافات سياسية، وإنما استمرار الماضي بوصفه فاعلاً في تشكيل مواقف الأجيال الجديدة".

ويؤكد البصري أن العلاقة بين بغداد والكويت قطعت شوطاً مهماً على المستوى الرسمي خلال العقود الماضية، من خلال تسوية عدد كبير من الملفات العالقة وتعزيز التعاون الدبلوماسي والاقتصادي، إلا أن هذا التقدم لم ينعكس بالقدر ذاته على مستوى الوعي المجتمعي، حيث لا تزال المناسبات المرتبطة بذكرى الاجتياح وغيرها، مهما كانت حتى لو خلافات بسيطة، تستحضر خطاباً متشنجاً في الفضاء الإلكتروني، ما يكشف عن فجوة بين المصالحة السياسية والمصالحة المجتمعية.

ويشير عبد الله إلى أن "نجاح العلاقات الدولية لا يقاس فقط بعدد الاتفاقيات أو الزيارات الرسمية، فالمعيار الحقيقي هنا يقاس بقدرة الشعوب على بناء مصالح مشتركة وشعور متبادل بالثقة".

ولفت الى ان "أي تقارب سياسي لن يكون مستداماً إذا لم يتحول إلى تعاون ثقافي وأكاديمي وإعلامي واقتصادي يخلق تواصلاً مباشراً بين المجتمعين العراقي والكويتي، لأن العلاقات التي تبنى بين الشعوب تكون أكثر صلابة من تلك التي تقتصر على الحكومات".

ويشدد على ان استذكار الماضي، يجب أن يبقى درساً سياسياً وأخلاقياً يعزز احترام سيادة الدول ويرفض استخدام القوة في العلاقات الإقليمية، لا مناسبة لإحياء الخصومات بين شعبين تجمعهما روابط جغرافية واجتماعية واقتصادية عميقة.

ويختتم البصري بالتأكيد على أن المنطقة تواجه اليوم تحديات أمنية واقتصادية تتجاوز حدود الدول، الأمر الذي يجعل تعزيز العلاقات العراقية ـ الكويتية ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار سياسي، لأن استقرار الخليج يرتبط بوجود بيئة إقليمية قائمة على الثقة والتعاون، فيما يبقى الاستثمار في التقارب المجتمعي والثقافي الضمانة الحقيقية لاستدامة هذا الاستقرار على المدى البعيد.