بات تأخر صرف رواتب آلاف الموظفين في عدد من الوزارات والمؤسسات الحكومية يشكل مؤشراً على ضغوط مالية متصاعدة تواجهها الدولة، في ظل تراجع الإيرادات النفطية وارتفاع الالتزامات الشهرية واستمرار الاعتماد شبه الكامل على النفط في تمويل الموازنة العامة.
ومع ربط الحكومة مواعيد صرف الرواتب بتوافر السيولة لدى وزارة المالية، تتسع حالة القلق بين ملايين الأسر التي تعتمد على الراتب الحكومي مصدراً أساسياً للعيش، وسط مخاوف من أن يتحول التأخير إلى أزمة متكررة تمتد آثارها إلى الأسواق والقطاع الخاص ومجمل النشاط الاقتصادي.
وتكشف المعطيات المتداولة عن وجود فجوة متنامية بين حجم الإيرادات والإنفاق، بالتزامن مع تداعيات تراجع الصادرات النفطية وإغلاق مضيق هرمز، فضلاً عن ارتفاع الدين الداخلي وتراكم الالتزامات المالية الحكومية.
وبحسب خبراء فأن العراق لا يواجه إفلاساً أو أزمة مالية، بالنظر إلى ما يمتلكه من أصول واحتياطيات وثروات، لكنهم يحذرون من أن استمرار اختلال التدفقات النقدية وضعف إدارة السيولة قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر تعقيداً، ما لم تُعتمد إجراءات عاجلة لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتأمين التمويل قصير الأجل، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، وإصلاح إدارة المال العام.
الراتب مرهون بالسيولة!
وكان المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي، أكد وجود أزمة مالية ناجمة عن تراجع الإيرادات وارتفاع الالتزامات المالية.
وقال العبودي، إن موعد صرف رواتب الموظفين سيصبح مرتبطاً بتوفر السيولة لدى وزارة المالية.
وأضاف أن صرف الرواتب لن يجري بعد الآن بالآلية المعتادة، في ظل الارتفاع الكبير في المتطلبات المالية الشهرية، مؤكداً أن الحكومة تعمل على إدارة الأزمة وفق الإمكانات المتاحة.
وأشار إلى أن تراجع الإيرادات واستمرار تداعيات إغلاق مضيق هرمز ساهما في تفاقم الأزمة المالية. وضمن هذا السياق، تتسع حالة القلق بين ملايين المواطنين في العراق، بعد استمرار تأخر صرف الرواتب في سبع وزارات إلى جانب هيئات ومؤسسات حكومية، وسط مطالبات للحكومة بالتدخل العاجل لإنهاء الأزمة وصرف المستحقات المالية المتأخرة.
موظفون:
يقول موظفون في وزارات ومؤسسات عدة إنهم لم يتسلموا رواتبهم حتى الآن، رغم مرور أكثر من شهر ونصف على استحقاقها، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية والالتزامات المالية على شريحة واسعة منهم.
وتشمل الجهات التي ما زالت تنتظر صرف الرواتب، بحسب إفادات موظفين، وزارات العدل، الصحة، التعليم العالي، الثقافة، الاعمار والإسكان، الموارد المائية والنقل، إلى جانب موظفين في الرئاسات الثلاث، وديواني الوقف السني والوقف الشيعي، إضافة الى عدد من الهيئات والمؤسسات الحكومية الأخرى.
ويؤكد عدد من الموظفين أن استمرار تأخر الرواتب وضعهم أمام تحديات مالية متزايدة، تتمثل في سداد إيجارات المنازل، وأقساط الوحدات السكنية، والقروض المصرفية، وفواتير الكهرباء، فضلاً عن الالتزامات الأسرية اليومية، ما زاد من المخاوف بشأن قدرتهم على الوفاء بتلك الاستحقاقات.
وطالب الموظفون الحكومة بالإسراع في إطلاق الرواتب، مؤكدين أن استمرار التأخير يفاقم الأعباء الاقتصادية ويؤثر بشكل مباشر في أوضاع آلاف العائلات التي تعتمد بصورة كاملة على الراتب الشهري.
ماذا قال وزير المالية للبرلمان؟
وكشف عضو اللجنة المالية النيابية، رياض التميمي، عن تحديات مالية كبيرة تواجه الحكومة، مؤكداً أن أزمة الرواتب ليست المشكلة الوحيدة، في ظل ارتفاع حجم الديون وتراجع الإيرادات، إلى جانب ما وصفه بتضارب المعلومات بشأن صادرات النفط.
وقال التميمي في حوار تلفزيوني، إن الحكومة الحالية تسلمت "تركة ثقيلة" تتمثل بديون داخلية تبلغ 216 تريليون دينار، موزعة بين 106 تريليونات دينار مستحقة للبنك المركزي والمصارف، و100 تريليون دينار التزامات لشركات ومؤسسات، فضلاً عن أكثر من 10 مليارات دولار ديوناً خارجية.
وأضاف أن إيرادات المنافذ الكمركية، التي قال إنها أصبحت تمثل الجزء الأكبر من موارد الدولة في ظل تراجع الصادرات النفطية، بلغت تريليونين و100 مليار دينار فقط خلال الأشهر السبعة الأولى من العام.
وأشار التميمي إلى أن وزير المالية أبلغ اللجنة المالية النيابية، خلال استضافته في البرلمان، بعدم تصدير "برميل نفط واحد" منذ 28 شباط الماضي، معتبراً أن هذا الطرح يتعارض مع بيانات وزارة النفط وتصريحات مدير شركة تسويق النفط العراقية (سومو).
وكان مدير شركة "سومو"، علي نزار، قد أعلن مؤخرا أن العراق تمكن من بيع 42 مليون برميل من النفط خلال شهر تموز، مقارنة بـ105 ملايين برميل كان يصدرها قبل الأزمة الحالية في المنطقة. وقال التميمي أن اللجنة المالية استضافت أيضاً مدير عام الموازنة ومدير قسم إعداد الموازنة، اللذين أكدا أن مشروع الموازنة سيُعد وفق تقديرات للإيرادات، مع الاعتماد على الاقتراض أو حلول مالية أخرى في حال استمرار الظروف الحالية.
اختلال في السيولة او إفلاس
في هذا الصدد، قال أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي أن تأخر صرف الرواتب، يمثل مؤشراً واضحاً على أزمة سيولة تواجه المالية العامة للدولة، مشدداً على ضرورة التمييز بين الإفلاس وأزمة السيولة، إذ إن العراق ما زال يمتلك أصولاً وثروات كبيرة، إلا أنه يعاني من اختلال في التدفقات النقدية نتيجة الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية، بالتزامن مع الارتفاع الكبير في الإنفاق الجاري.
واضاف السعدي في حديث لـ "طريق الشعب" أن استمرار تأخير الرواتب لن ينعكس على الموظفين وحدهم، بل سيمتد أثره إلى مجمل النشاط الاقتصادي، لأن الرواتب تمثل المحرك الرئيس للاستهلاك في العراق، ما يعني تباطؤ الحركة التجارية، وتراجع القوة الشرائية، وزيادة الضغوط على القطاع الخاص، الأمر الذي قد يؤدي إلى تعميق حالة الركود الاقتصادي.
وفي ما يتعلق بالحلول، شدد السعدي على أن بيع أصول الدولة لتمويل الرواتب لا يعد خياراً اقتصادياً سليماً، لأنه يحول أصولاً استراتيجية ودائمة إلى مصدر مؤقت لتغطية نفقات تشغيلية متكررة، وهو ما يضعف القدرة المالية للدولة على المدى البعيد.
وأشار إلى أن الأولوية ينبغي أن تتركز على توفير السيولة عبر أدوات تمويل مؤقتة، وترشيد الإنفاق غير الضروري، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، وتحسين كفاءة الجباية والمنافذ الحدودية، إلى جانب تسريع تنفيذ الإصلاحات المالية والإدارية.
وحذر السعدي من أن غياب الإجراءات الإصلاحية الحقيقية قد يحول أزمة السيولة الحالية إلى أزمة مالية أكثر تعقيداً، لا سيما إذا استمرت الصدمات التي تؤثر في الإيرادات النفطية.
واكد في ختام حديثه ان استعادة تدفقات الإيرادات وتنفيذ إصلاحات هيكلية كفيلان باحتواء الأزمة وإعادة الانتظام في صرف الرواتب، وصولاً إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على النفط وأكثر قدرة على مواجهة الصدمات المستقبلية.
متى ندخل في دائرة الخطر؟
من جهته، قال الخبير الاقتصادي سمير النصيري أن البنك المركزي العراقي يواصل العمل، بالتعاون مع الحكومة، وللشهر الخامس على التوالي، على سد فجوة الإيرادات النفطية الناجمة عن انخفاض الصادرات بنسبة تصل إلى 90 في المائة، نتيجة إغلاق مضيق هرمز.
ونوه إلى أن ذلك يعكس حكمة الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي خلال عامي 2024 و2025 والنصف الأول من عام 2026، والتي أسهمت في دعم الحكومة وتغطية نقص السيولة.
وأوضح النصيري أن البيانات المتوفرة تشير إلى أن الاحتياطيات الأجنبية للبنك المركزي، إلى جانب العملة المحلية المصدرة خارج الجهاز المصرفي، تشكل نحو 94 في المائة، فيما تجاوز الدين العام الداخلي 100 تريليون دينار، مع بقاء معدل التضخم خلال المدة من كانون الثاني إلى تموز 2026 بين 2.2 و3.7 في المائة، في حين يتذبذب سعر صرف الدولار بين 1500 و1530 ديناراً.
وأضاف أن إقراض الحكومة من قبل البنك المركزي عبر إعادة خصم حوالات الخزينة يتطلب تحقيق مواءمة دقيقة بين إدارة العملة المصدرة والاحتياطيات الأجنبية، بما يضمن استمرار الاستقرار النقدي وعدم استنزاف الموارد المالية.
وحذر النصيري من أن استمرار الأزمة سيدفع الاحتياطيات الأجنبية، والعملة المصدرة، والدين الداخلي إلى مستويات مقلقة، ما يستوجب من الحكومة اتخاذ إجراءات حاسمة وفورية لزيادة الإيرادات النفطية بمختلف الوسائل، بالتزامن مع ترشيد الإنفاق العام إلى أقصى حد ممكن.
ودعا إلى اعتماد الادخار الإجباري للدرجات الوظيفية الخاصة، وإيقاف استيراد السلع غير الضرورية والكمالية، واسترداد السلف والقروض الحكومية والخاصة المتعثرة، فضلاً عن إيجاد منافذ بديلة لتصدير النفط، وتفعيل جباية الضرائب المتأخرة من كبار المكلفين، وتعظيم إيرادات الخدمات الحكومية.
وشدد النصيري على أن تنويع مصادر الإيرادات وتقليل الاعتماد على البنك المركزي في تمويل فجوة السيولة يمثلان ضرورة ملحة، محذراً من أن استمرار النهج الحالي قد يضع الاقتصاد العراقي أمام مخاطر مالية ونقدية متزايدة.
اين تكمن الحلول؟
الى ذلك، عد الخبير الاقتصادي د. علي دعدوش، تأخر صرف رواتب عدد من الوزارات "أمراً متوقعاً في ظل اعتماد العراق على النفط الخام كمورد رئيس للإيرادات، وعلى منفذ تصدير رئيس عبر مضيق هرمز"، مبيناً أن ما يجري لا يمثل مشكلة إدارية مؤقتة بقدر ما يعكس تعرض المالية العامة لضغوط سيولة حقيقية.
وقال دعدوش في تعليق لـ"طريق الشعب"، إن الأزمة جاءت نتيجة تزامن عدة عوامل، أبرزها انخفاض الإيرادات النفطية مقارنة بتقديرات الإنفاق، واستمرار ارتفاع الإنفاق الجاري، وتأخر إقرار المعالجات المالية والتشريعية، فضلاً عن ضعف إدارة التدفقات النقدية بين وزارة المالية والبنك المركزي.
واضاف أن مدة استمرار الأزمة ترتبط بشكل أساسي باستئناف الصادرات النفطية عبر مضيق هرمز وسرعة توفير السيولة، وليس بحجم الموارد المالية فقط، موضحاً أنه في حال تمكنت الحكومة من تأمين مصادر تمويل قصيرة الأجل وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، فمن الممكن إنهاء الأزمة خلال أسابيع، أما إذا استمرت الخلافات السياسية وتعطلت الحلول المالية والتشريعية، فقد يتكرر تأخر الرواتب خلال الأشهر المقبلة، بما يزيد من حالة عدم اليقين لدى الموظفين والأسواق.
وبيّن دعدوش أن البدائل المتاحة أمام الحكومة تتمثل في إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتأجيل المصروفات غير الضرورية، واستخدام أدوات التمويل قصيرة الأجل كالاقتراض الداخلي أو إصدار حوالات الخزينة ضمن الأطر القانونية، إلى جانب تسريع جباية الإيرادات غير النفطية، وتحسين إدارة الحسابات الحكومية وتوحيد السيولة بين المؤسسات، فضلاً عن إعلان خطة مالية شهرية واضحة تحدد مواعيد تمويل الرواتب وآليات تغطيتها بما يعزز الثقة ويحد من الشائعات.
وحذر من أن استمرار الأزمة دون حلول واضحة سيؤدي إلى تراجع الثقة بالسياسة المالية، وانخفاض الإنفاق الاستهلاكي للأسر، وتباطؤ النشاط التجاري، وارتفاع الطلب على الدولار كأداة للتحوط، فضلاً عن زيادة الضغوط على القطاع المصرفي نتيجة السحب المكثف للأموال عند صرف الرواتب.
وشدد دعدوش على أن العراق لا يواجه حالياً أزمة ملاءة مالية، بقدر مواجهته أزمة إدارة سيولة وتمويل قصير الأجل، مؤكداً أن الدولة ما زالت تمتلك أصولاً واحتياطيات وإيرادات نفطية مستمرة، إلا أن استمرار غياب الإصلاحات المالية وارتفاع الإنفاق الجاري قد يحول أزمة السيولة المؤقتة إلى أزمة مالية أكثر تعقيداً إذا لم تُتخذ إجراءات هيكلية تعيد التوازن بين الإيرادات والنفقات وتحد من الاعتماد المفرط على النفط.